فهرس الكتاب
فالجوابُ: أنَّ"قدْ"تُقَرِّبُه مِن الحالِ، وما كان قريبًا مِن الشيءِ كان مُجاوِرًا له، والمجاوِرُ يُعْطَى حكْمَ المجاوِرِ له، وهذا ظاهِرٌ في عُرْفِهم، وأمَّا المستقبَلُ وإنْ كانَ مَعدومًا في الحالِ، ولكنْ هو مارٌّ إلى الوُقوعِ، فلِقُرْبِ وُقوعِه عُدَّ واقعًا في الحالِ، ألاَ تَرى أنك إذا أَوْقَعْتَ اسمَ الفاعلِ مَوْقِعَ المضارِعِ، عَطفتَ عليه المضارِعَ، تقولُ: الطائرُ الذبابُ فيَغْضَبُ زيدٌ، فتَعْطِفُ يَغضَبُ على الطائرِ، نَظَرًا إلى أنَّ أصْلَه يَطيرُ، وليس كذلك الماضي، فإنَّ عَوْدَ عَيْنِه مُتَعَذَّرٌ. ويَجوزُ أنْ يكونَ غَدَا صِفةً لأَزَلَّ، أيْ أزَلُّ غَادٍ، ويَجوزُ أنْ يكونَ مُستأنَفًا لا مَوْضِعَ له مِن الإعرابِ، وطاوِيًا حالٌ مِن الضميرِ في غَدَا، أيْ دَخَلَ في الغَداةِ طاوِيًا. وطَاوِيًا مِن طَوَى الْمُتَعَدِّيَةِ، كما تقولُ: طَوَى زيدٌ ثَوْبَه. فيكونُ التقديرُ هنا: طاويًا أحشاءَه على الجوعِ، ويُقَوِّي هذا المعنى مَجيءُ الاسمِ منه على فاعلٍ، والاسمُ مِن طَوَى إذا جاعَ: طَوٍ. مِثلَ: عَمٍ وشَجٍ، ومَصدرُ المتعَدِّيَةِ الطَّيُّ، أيْ طَوَى يَطْوِي طَيًّا، ومَصدَرُ الأُخْرَى الطَّوَى، أيْ: طَوَى يَطْوَى طَوًى، ويُعارِضُ الريحَ، يَجوزُ أنْ يكونَ صفةً لـ"طَاوِيًا"، وأنْ يكونَ حالًا مِن الضميرِ في"طَاوِيًا", أو مِن الضميرِ في غَدَا، إنْ جُوِّزَ وُقوعُ حالين مِن اسمٍ واحدٍ.
و"هافيًا"حالٌ مِن الضميرِ في يُعَارِضُ، ويَخوتُ يَجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن الضميرِ في"هَافِيًا"، وبأذنابِ الشعابِ ظرْفٌ لـ"يَخوتُ"، أيْ يَخوتُ في أذنابِ الشِّعابِ.
فلَمَّا لَوَاهُ القُوتُ مِن حيثُ أَمَّهُ دَعَا فأَجَابَتْهُ نظائِرُ نُحَّلُ
اللَّيُّ الْمَطْلُ والدفْعُ قال ذُو الرُّمَّةِ:
تُطِيلِينَ لَيَّاتِي وأنتِ مَلِيَّةٌ وأحْسَنُ يا ذاتَ الوِشاحِ التَّقَاضِيَا
وأمَّه قَصَدَه، ومَعناه أنه لَمَّا طَلَبَ القُوتَ في مكانٍ دَفَعَهُ القُوتُ عنه، وتَعَذَّرَ عليه حُصولُه مِن ذلك المكانِ، وقد تَجَوَّزَ بقولِه لَوَاهُ القُوتُ، والنظائرُ الأشباهُ والأمثالُ، والنُّحَّلُ الْمَهَازِيلُ.
يُريدُ أنه لَمَّا عَزَّ عليه القُوتُ طَلَبَه عندَ غيرِه، فوَجَدَ حالَه كحالِه في الْهُزالِ مِن الْجُوعِ.
و"لَمَّا"هي الْمَزيدةُ عليها ما، وعندَ التركيبِ حَدَثَ لها معنى لم يَكنْ عندَ الإفرادِ، وهذا أصْلٌ في كلِّ شَيئينِ يَنفرِدُ أحَدُهما بمعنًى يُغايِرُ معنى الآخَرِ عندَ الانفرادِ، فإذا رُكِّبَا حَصَلَ، أيْ حدَثَ, للمُرَكَّبِ معنًى لم يَكنْ، فإذا وَلِيَها المستقْبَلُ جَزَمَتْهُ وكانتْ حَرفًا، وإنْ تَعَقَّبَها الماضي كانتْ ظَرْفًا واقتَضَتْ جَوابًا؛ كقولِه عَزَّ مِن قائلٍ: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا} {فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ} ونظائرُه كثيرةٌ في الكتابِ العزيزِ، ولَوَاهُ في موضِعِ جَرٍّ بإضافةِ لَمَّا إليه، ومِن لابتداءِ غايةِ المكانِ، أيْ ذلك المكانُ ابتداءُ غايةِ الْمَطْلِ والدفْعِ منه، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بـ"لَوَاهُ"، وأمَّا حيثُ فيكونُ ظرْفَ مكانٍ وظرْفَ زَمانٍ، كقولِ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ:
لِلْفَتَى عَقْلٌ يَعيشُ بِهِ حيث تَهْدِي ساقَه قَدَمُهْ
يُريدُ مُدَّةَ حياتِه، وهي مُبْهَمَةٌ يُبَيِّنُها ما بعدَها، ولتَوَغُّلِها في الإبهامِ لم يَقعْ بعدَها مفرَدٌ غالبًا؛ لأنَّ المفرَدَ لا يُبَيِّنُها، ألا تَرَى أنك لو قلتَ: قمتُ حيثُ قِيامٌ، أو جَلستُ حيثُ الجلوسُ، لم يَنكشفْ معناها، فلذلك أَوْقَعُوا بعدَها الجملةَ؛ لأنَّ الجملةَ واضحةٌ بنَفْسِها غيرُ مفْتَقِرَةٍ إلى مُوَضِّحٍ، فأَوْضَحَتْ معنَى حيثُ، فتقولُ على هذا: قُمتُ حيثُ زيدٌ قائمٌ، وجلسْتُ حيثُ جلسَ زَيدٌ. وبُنِيَتْ على الضمِّ في أَجْوَدِ لُغاتِها لنُقصانِها؛ لأنها لا تكونُ لها جُملةٌ تُوَضِّحُها، فإذن أَشْبَهَتِ الذي، وحُرِّكَ آخِرُها لئلا يَلتقِيَ ساكنانِ، وضُمَّتْ لشَبَهِها بـ"قَبْلُ"، و"بعدُ"في وُقُوعِها على كلِّ الْجِهاتِ وأبعاضِها، فأُلْحِقَتْ بهما، وقيلَ لَمَّا استُعْمِلَتْ في