الصفحة 22 من 43

الزمانِ والمكانِ عُوِّضَتْ بالضمِّ تَنبيهًا على قُوَّتِها، فإنَّ حقَّها الإعرابُ، وأَمَّهُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بإضافتِه إلى حيث. وهي هنا ظَرْفُ مكانٍ، ودعا جوابُ لَمَّا، وهو الناصِبُ لها، ونظائرُ فاعلُ أَجابَتْهُ، والواحدةُ نَظيرةٌ، ونُحَّلُ صفةٌ لنظائرَ، وهو جَمْعُ ناحِلٍ. والفعْلُ منه نَحَلَ بفتْحِ الحاءِ، وفيه لغةٌ بكَسْرِها، والأَوْلَى أفْصَحُ، ونظائرُ غيرُ مُنصَرِفَةٍ، لكونِها جَمْعًا, ولا نَظيرَ له في الآحادِ قائمٌ مقامَ عِلَّةٍ.

مُهَلْهَلَةٌ شِيبُ الوُجوهِ كأنها قِداحٌ بِكَفَّيْ ياسرٍ تَتَقَلْقَلُ

مُهلْهَلَةٌ رَقيقةُ اللحْمِ، يُقالُ: هَلْهَلَ النَّسَّاجُ الثوبَ، إذا أَرَقَّ نَسْجَه وخَفَّفَه، وشِعْرٌ هَلْهَلٌ أيْ رَقيقٌ، وقِيلَ: إنما سُمِّيَ امرؤُ القَيْسِ بنُ رَبيعةَ، أخُو كُليبِ بنِ وائلٍ، مُهَلْهَلًا؛ لأنه أوَّلُ مَن أرَقَّ الشعْرَ. والهاءُ الثانيةُ فيه زائدةٌ، وكلُّ ذلك تَشبيهٌ بالهلالِ، لرِقَّتِه وضَمْرِه، والشِّيبُ جَمْعُ أشْيَبَ وشَيباءَ, مأخوذٌ مِن: شابَ, إذا ابْيَضَّ.

والقِدَاحُ جَمْعُ قَدَحٍ، وهو السهْمُ قبلَ أنْ يُراشَ ويُرَكَّبَ عليه نَصْلُه، والياسِرُ المقامِرُ بالأزلامِ, والْمَيْسِرُ قِمارُ العرَبِ، وتَتقلقلُ تَتحرَّكُ وتَضْطَرِبُ.

والمعنى أنه لَمَّا دَعا أجابَتْهُ النظائرُ على هذا الحالِ، فلِشِدَّةِ حالِها تَمْشِي مُضطَرِبَةً.

ومُهلهَلَةٌ صفةٌ لنظائرَ. وشِيبٌ لها نَعْتٌ، والإضافةُ هنا غيرُ مَحْضَةٍ، وهي مِن بابِ الْحَسَنِ الوجهِ، والتقديرُ شِيبٌ وُجوهُها، و"كأنها"يَجوزُ أنْ يَكونَ صفةً أيضًا لِمَا قَبْلَها، وبِكَفَّيْ ياسِرٍ يَجوزُ أنْ يكونَ صِفةً لقِداحٍ، أيْ ثابتةٌ له، ويَجوزُ أنْ يَتعلَّقَ بـ"تَتَقَلقلُ"، أي: تَتحرَّكُ بكَفَّيْ ياسِرٍ، وتَتقلقلُ إنْ جَعلتَه بالتاءِ كانَ نَعْتًا للقِداحِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن قِداحٍ. لأنها قد وُصِفَتْ بقولِه: بِكَفَّيْ، وإنْ جَعلتَه بالياءِ كانَ صِفةً لـ"ياسِرٍ"، أيْ ياسِرٌ مضْطَرِبٌ.

فصْلٌ في مَسألةِ حَسَنِ الوَجْهِ

اعْلَمْ ـ حَرَسَكَ اللهُ مِن الآفاتِ ـ أنَّ هذه المسألةَ وما يَتفرَّعُ عنها، أَشْبَهَتِ اسمَ الفاعلِ في مَعمولِها، وليستْ جاريةً على الفعْلِ، ولا معدولةً عن الجارِي، ولا كاسمِ الفاعلِ فيما له مِن معنى الفعْلِ وفي جَريانِه عليه، ألاَ تَرَى أنك إذا قُلتَ: هذا ضارِبٌ زَيدًا. فإنَّ"ضارِبٌ"في معنى يَضرِبُ وجارٍ عليه، وليس كذلك حَسُنَ الوجْهِ، وليس معناه حسَنٌ وجْهُه، لا حالًا ولا مَآلًا، كما كانَ معنى"ضارِبٌ"يَضْرِبُ، ولا هو جارٍ عليه، إلا أَنَّه حصَلَ له شَبَهٌ باسمِ الفاعلِ مِن أَوْجُهٍ, منها:

أنه يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، تَقولُ: مَرَرْتُ برجُلٍ كريمٍ، وامرأةٍ كريمةٍ، وصَعْبٍ وصعبةٍ، ويُثَنَّى ويُجْمَعُ، تَقولُ: مَررْتُ برَجُلينِ حَسَنَيْنِ، وبرِجالٍ حَسَنِينَ، وبامرأةٍ حَسَنَةٍ، وحَسَنَتَيْنِ، وحَسَناتٍ، كما تَقولُ: بقائمٍ, وقائمةٍ، وقائماتٍ، وقائمينَ، وضاربٍ، وضاربةٍ، وضارباتٍ، وضاربينَ، فعَمِلَ لذلك، فكلُّ ما جازَ في هذا جازَ أنْ يَرفعَ الظاهِرَ والمضْمَرَ، ويَنْصِبَ السَّبَبِيَّ، مِثالُه: زيدٌ حسَنٌ وَجهُه، وحَسَنٌ وَجْهًا، وما لم يَحْصُلْ له هذا الشبَهُ مما لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، فإنه يَرْفَعُ المضمَرَ دونَ الْمُظْهَرِ، وهو خيرٌ وشرٌّ، وتَنْقُصُ هذه الصفاتُ عن اسمِ الفاعلِ بأربعةِ أشياءَ، منها:

أنْ تَعملَ في السَّبَبِيِّ دونَ الأَجْنَبِيِّ الذي لا عَلَقَةَ بينَه وبينَ ما اتَّصَفَ بها، ولا سببَ، وتَعملُ أيضًا فيما فيه ضميرٌ يَعودُ إلى ما اتَّصَفَ به، مثالُ ذلكَ: مَرَرْتُ برجُلٍ حسَنٌ وَجْهُهُ، وكريمٌ أَبوه، وشديدٌ بَطْشُه، فتُرْفَعُ بها على نحوِ ارتفاعِ الذي اسمُ الفاعلِ به، كقولِك: زيدٌ قائمٌ غُلامُه، فلَمَّا حصَلَ لهذه الصفاتِ شَبَهٌ باسمِ الفاعلِ بالرفْعِ، شُبِّهَتْ به في النصْبِ، فقلتَ: هذا الرجلُ الحسَنُ الوجهَ. بنَصْبِ الوجهِ كما تقولُ: هذا الضاربُ الوجهَ، وكذلك في الجرِّ تقولُ: هذا الحسَنُ الوجهِ، بالجرِّ، كما تقولُ: هذا الضاربُ الرجلِ, بالجرِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت