الصفحة 23 من 43

ومنها: أنها تَعملُ في الحالِ دونَ الاستقبالِ.

ومنها: أنَّ مَعمولَها لا يَتقدَّمُ عليها.

ومنها: عدَمُ جَريانِها على الأفعالِ، وكلُّ ذلك مما يَتبيَّنُ به ضَعْفُها عن اسمِ الفاعلِ.

وأمَّا الأوْجُهُ التي تَجوزُ في هذا البابِ فتَترتَّبُ مَسائلُ.

المسألةُ الأُولَى:

مَرَرْتُ برجُلٍ حسَنِ الوجه، ففي هذه المسألةِ أوجهٌ ثلاثةٌ:

جَرُّ الوَجْهِ على الإضافةِ، وهو أَقْوَاهَا، لأنه لا يُحتاجُ معه إلى تَكَلُّفِ إضمارٍ، ولا تَشبيهٍ بمفعولٍ، وهو أَخَفُّ مِن الرفْعِ والنصْبِ، لأنَّ النصْبَ مُشَبَّهٌ بالمفعولِ، وليس مَفعولًا حقيقةً؛ لأنَّ حَسَن لا يَتَعَدَّى، والرفْعُ فيه تَكَلُّفٌ، لأنه إمَّا أنْ يكونَ مَحمولًا على البدَلِ مِن الضميرِ في"حَسَن"، بدَلَ البعضِ مِن الكلِّ، أو مُرْتَفِعًا بـ"حَسَنٍ"، على أنه فاعلٌ، وتُضْمِرُ عائدًا على الرجلِ يكونُ رابِطًا بينَ الصفةِ والموصوفِ، ولا يُحتاجُ في الإضافةِ إلى شيءٍ مِن ذلك، وعلى هذا الوجهِ، قد أَضَفْتَ"حَسَن"إلى الوجْهِ، وفي"حسَنٍ"ضميرٌ هو فاعلٌ، وبَطَلَ رفْعُ الوجهِ بـ"حَسَنٍ"، بأنَّ الفعلَ لا يكونُ له فاعلانِ، وكان الوجهُ أنْ تَقولَ: مَررتُ برجُلٍ حسَنٌ وجْهُه، فيكونُ الوجهُ مُضافًا إلى الضميرِ العائدِ على الرجُلِ ومُعَرَّفًا به، فلمَّا أَسْقَطْتَ الضميرَ، وجئتَ بالألِفِ واللامِ في الوجهِ، أَبْدَلْتَ التعريفَ بالإضافةِ، بالتعريفِ بالألِفِ واللامِ.

الوجهُ الثاني مِن وُجوهِ هذه المسألةِ: مَررتُ برجُلٍ حسَنٍ الوجهَ: تُنَوِّنُ الصفةَ وتَنْصِبُ الوجهَ على أنه مُشَبَّهٌ بالمفعولِ، وقيلَ على التمييزِ، واحتَجَّ سِيبويهِ على النصْبِ، بقولِ النابغةِ:

فإنْ يَهْلِكْ أبو قَابوسَ يَهْلِكْ ربيعُ الناسِ والشهرُ الحرامُ

ويُمْسِكْ بعدَه بذِنابِ عِيسٍ أَجَبَّ الظهرَ ليس له سَنامُ

فنَصَبَ الظَّهْرَ بـ"أجَبَّ", ولم يُنَوِّنْ لأنه غيرُ منْصَرِفٍ، ويَجوزُ في"يُمْسِكُ"الْجَزْمُ عَطْفًا على"يَهْلِكْ"الثانيةِ، والرفْعُ على الاستئنافِ, والنصْبُ على الجمْعِ، أيْ تَجتمِعُ لنا هذه الْخِصالُ، والواوُ واوُ الجمْعِ.

الوجهُ الثالثُ مِن وُجوهِ هذه المسألةِ: تَنوينُ حسَنٍ، ورَفْعُ الوجهِ, وفيه مَذاهبُ ثلاثةٌ:

أحدُها: أنَّ الوجهَ فاعلٌ، والعائدُ محذوفٌ، والتقديرُ برَجُلٍ حسُنَ الوجْهُ منه، وحَذَفْتَه للعلْمِ به، كما حُذِفَ في قوله تعالى: {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} أيْ له، ومِثلُ هذا حذفُ العائدِ مِن الصلةِ، ونظائرُه كثيرةٌ، وعلى هذا يُرفَعُ الظهرُ في البيتِ المتقَدِّمِ، وقالَ الفَرَّاءُ: الكلامُ في الوجهِ، بدَلٌ مِن الإضافةِ.

يعني الهاءَ. لأنَّ الأصْلَ وَجْهُهُ، فاللامُ بدَلٌ مِن هذه الهاءِ، فاستغنَى عن تقديرِ عائدٍ، عن الموصوفِ، وعليه حَمَلَ قولَه عزَّ مِن قائلٍ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ} أيْ أبوابُها، أو منها، فالألِفُ واللامُ بَدَلٌ مِن الهاءِ، ولا تُقَدِّرُ عائدًا على الموصوفِ، وكذلك قولُه تعالى: {هِيَ الْمَأْوَى} أيْ مَأواهُ، قالَ: وكذلك قولُ الشَّاعِرِ:

ما وَلَدَتْنِي حَيَّةُ بنتُ مالِكٍ سِفاحًا وما قَوْلِي أحاديثَ كاذِبِ

وإنَّا نَرَى أقْدَامَنا في نِعَالِهم وأنْفُسَنَا بينَ اللِّحَى والْحَوَاجِبِ

والتقديرُ بينَ لِحَاهُمْ وحَوَاجِبِهم، ولا يَصِحُّ ما ذَهَبَ إليه الفَرَّاءُ بقولِه: إنَّ الألِفَ واللامَ بدَلٌ مِن الإضافةِ، ولا يَستقيمُ، إذ لو كان كذلك لكان الألِفُ واللامُ في معنى الأَفْضَلِ، لأنَّ البدَلَ ما كان في معنى الْمُبْدَلِ، والهاءُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت