الصفحة 24 من 43

والألفُ واللامُ مختلِفانِ، ولأنهما لو كانا بدَلًا لاستَمَرَّ ذلك، إذ لا تَجِدُ فَرْقًا بينَ هذا الموضِعِ وغيرِه، وليس كذلك ألاَ تَرَى أنك لو قُلْتَ: زيدٌ الغلامُ حسَنٌ، وأنتَ تريدُ الغلامَ، لم يَجُزْ، وأمَّا قولُه تعالى: {مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ} فتقديرُه منها، وكذلك: {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} أيْ لهم. وكذلك التقديرُ في الشعْرِ، أيْ بينَ اللِّحَى والْحَوَاجِبِ منهم، قالَ أبو عَلِيٍّ: لم يَستحسِنُوا: مَررتُ برجُلٍ حسَنِ الوجهِ، ولا بامرأةٍ حسنَةِ الوجهِ، لاحتياجِهم إلى تقديرِ منه أو منها، إذا الصفةُ تَفتقِرُ إلى مذكورٍ يَعودُ إلى الموصوفِ منها، ومعنى كلامِه أنَّ الحذْفَ مِن الصفةِ مُستقْبَحٌ، بخِلافِ الحذْفِ مِن الصلةِ؛ لأنَّ الكلامَ طالَ بالصلةِ والموصولِ، وهما كاسمٍ واحدٍ. وليس كذلك الموصوفُ مع الصفةِ؛ لأنَّ الموصوفَ قد يُحْذَفُ ويُستغنَى بالصفةِ، بخِلافِ الصلةِ مع الموصولِ، وأمَّا: {مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ} فليس على تقديرِ"منها"، ولا على ما ذهَبَ إليه الفَرَّاءُ، بل على أنَّ الأبوابَ بدَلٌ مِن الضميرِ في {مفَتَّحَةً} . وهذا الكلامُ فيما إذا كانَ الوجهُ مُنْفَرِدًا معَرَّفًا بالألِفِ واللامِ، فأمَّا إذا كانَتِ الصفةُ والوجهُ منْفَرِدَيْنِ غيرَ مُعَرَّفَيْنِ، ففيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ:

الوجهُ الأوَّلُ: وهو: مَرَرْتُ برجلٍ حَسَنُ وجْهٍ، حُذِفَ التنوينُ مِن"حَسَنُ"، وجُرَّ ما بعدَه على الإضافةِ، قالَ سِيبويهِ: وإدخالُ الألِفِ واللامِ على الوجهِ أَوْلَى؛ لأنَّ معناه: حسَنٌ وَجْهُه. فكما أنَّ وجْهَه مَعرفةٌ، كان الأحسَنُ هناك أنْ يكونَ معرفةً، ومثلُه: حديثُ عَهْدٍ بالوضْعِ، وكلٌّ عربيٌّ، أَعْنِي التنوينَ في الوجهِ، وإدخالَ الألِفِ واللامِ عليه، والإضافةُ في حسَنُ وجْهِهِ، مثلُ الإضافةِ عندَ إدخالِ الألفِ واللامِ على الوجهِ، لأنها لا تُفيدُ تَعريفًا لأنها ليستْ مَحْضَةً.

والوجهُ الثاني مِن وُجوهِ هذه المسألةِ: مَررتُ برجُلٍ حسَنٌ وَجْهًا. بتنوينِ"حسنٌ"، ونَصْبِ الوجهِ، والعائدُ محذوفٌ، وهو الضميرُ الذي في الوجهِ، الذي تَقديرُه وَجهُه، ولم يُعَوَّضْ عن تعريفِ الإضافةِ تعريفُ الألِفِ واللامِ، لأنه معلومٌ أَنك لم تُرِدْ إلاَّ وجْهَ المذكورِ, ونَصبُه على التشبيهِ بالمفعولِ، كما تقولُ: مَررتُ برجُلٍ مادِحٌ زَيْدًا، وقيلَ على التمييزِ، وهو أَوْلَى، قالَ الشاعرُ:

شنباءُ أنيابًا

والشَّنَبُ عُذوبةُ الأسنانِ, وتقديرُه: عَذبةٌ أنيابًا، وإنما لم يُنَوِّنْ شَنباءَ؛ لأنه غيرُ منْصَرِفٍ.

الوجهُ الثالثُ مِن وُجوهِ هذه المسألةِ: مَررتُ برَجلٍ حسَنٌ وجْهٌ. برفْعِ"وجهٌ"وتنوينِ حسَنٍ، ووَجهُه مع بُعْدِه مِن حيثُ إنه لا عائدَ فيه، ولا ما يَسِدُّ مَسَدَّ العائدِ، أنه بدَلٌ مِن الضميرِ في"حَسنٌ"، والنكرةُ قد تُبْدَلُ مِن المعرفةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت