فهرس الكتاب
المسألةُ الثانيةُ والثالثةُ.
إذا كان حَسنٌ نكرةً، والوجهُ مضافًا إلى ضميرِ الموصوفِ، كقولِك: مَررتُ برجلٍ حسنٌ وجهُهُ، ففيه المذاهبُ الثلاثةُ:
الأوَّلُ: جَرُّ الوجهِ، ونَصْبُه, ورَفعُهُ، فالجرُّ على الإضافةِ عندَ سيبويهِ، واحتَجَّ بقولِ الشَّمَّاخِ:
أَمِنْ دِمنتينِ عَرَّسَ الركْبُ فيهما ... بحقْلِ الرَّخَامَى قد عَفَا طَلَلاَهُمَا
أقامَتْ على رَبْعَيْهِما جَارَتَا صَفَا ... كُمَيْتا الأعالِي جُونَتَا مُصطَلاَهُمَا
وموضِعُ الشاهدِ أنه وصَفَ جارَتَا صَفَا، بقولِه: كميتا الأعالي، ثم وصَفَه بقولِه: جُونَتَا مُصطلاها، وقد أضافَ الْجُونَتَيْنِ إلى الْمُصْطَلَى المضافِ إلى ضميرِ الجارتينِ، قالَ سِيبويهِ: هو مِثلُ: حَسنةٌ وجْهُها. لأنَّ جُونَتَا مُصطلاهما قد تَكَرَّرَ فيه الضميرُ في المثالينِ.
وحَسنةٌ فيه ضميرٌ وفي وَجْهِها أيضًا، وجارَتَا صَفَا، يُريدُ اثنتينِ أَسْنَدَتَا إلى جبلٍ لتَثْبُتَ القِدْرُ عليهما، فاسوَدَّ أسْفَلُهما مِن النارِ، وأَكْمَتَ أَعلاهما، وهو سوادٌ يَخْلِطُه حُمرةٌ، والْجُونُ الأسودُ، قالَ الخليلُ: وصُغِّرَ كُمَيْتٌ لأنه لم يَكْمُلْ له حُمرةٌ ولا سَوادٌ، قالَ أبو العباسِ وجماعةٌ مِن النُّحاةِ: الضميرُ راجعٌ إلى الأعالي، والأعالي بمعنى الأَعْلَيْنِ. قالوا: ولفْظُ الجمْعِ إذا أُريدَ به الاثنانِ، جازَ أنْ يَعودَ الضميرُ مُثَنًّى على المعنى. قالوا: ومِن ذلكَ قولُ عَنترةَ الشاعرِ:
متى ما تَلْفَنِي فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُستطارَا
وتُستطارَا تَثنيةٌ، وحَذَفَ النونَ لأنه معطوفٌ على تَرْجُفُ، لأنه مَجزومٌ، كما تقولُ: لم يُستمالاَ. فرَدَّ الضميرَ في"تُستطارَا"إلى الروانِفِ، ومعلومٌ أنه ليس للإنسانِ إلا رَانِفتانِ. قالوا: وإنما وَضَعَ الجمْعَ مَوْضِعَ التثنيةِ للعلْمِ به، ومِثلُه ما ذَكَرَه أبو عُبيدةَ:
بُنَيْتَيْ عمِّكَ لا تَنْسَاهُمَا ... جَاريتانِ زَعمَتْ أُمَّاهُمَا
مَليحتَا العَينانِ بَرْحَاوَاهُمَا حَسَنَتَا الشُّعورِ جَعْدَتَاهُمَا
فرَدَّ ضميرَ الْجَعدتينِ إلى الشعورِ، وإنما هو شَعرانِ، ومِن حُجَّتِهم أيضًا، لأنه يُفضِي إلى إضافةِ الشيءِ إلى نفْسِه. وما ذَكَرُوه غيرُ مُستقيمٍ؛ لأنَّ عَوْدَ الضميرِ المثنَّى إلى التثنيةِ أَوْلَى مِن رَدِّه إلى الأعالِي التي هي جَمْعٌ، وتَأَوُّلُها بالتثنيةِ تكَلُّفٌ لا حاجةَ إليه، والإضافةُ ههنا في نِيَّةِ الانفصالِ، وليس هذا مِن إضافةِ الشيءِ إلى نفْسِه؛ لأنَّ الْحُسْنَ للوجهِ، والهاءُ ليستْ للوجهِ، وإنما هي مُحَصِّلَةٌ للتعريفِ، كتحصيلِ الألفِ واللامِ له، وأنشَدَ على جوازِه أبو حَيَّةَ قالَ:
على أنني مَطروفٌ عَيْنَيْهِ كلما تَصَدَّى مِن البِيضِ الْحِسانِ قَبيلُ
فمَطروفٌ عَينيهِ مثلُ حسَنٌ وجْهِه، يقولُ إذا رأيتُ هذا القَبيلَ بَكيتُ كأَنَّ عَيْنَيَّ أصابَتْهُما طَرَفَةٌ، وأمَّا النصبُ فعلى التشبيهِ بالمفعولِ، كنصبِكَ له وفيه الألِفُ واللامُ، وحُكِيَ عن أبي عَلِيٍّ أنَّ نَصْبَه على التمييزِ، قالَ: هو بمنزلةِ: حسَنَةٌ وجْهَها. ولا يَمنَعُ التعريفُ مِن نَصبِه على التمييزِ؛ لأنَّ التعريفَ هنا لا يُفيدُ شيئًا, فهو بمنزلةِ تعريفِ الأجناسِ كالعسَلِ والماءِ والترابِ، ومِن شواهدِ هذا الوجهِ ما أَنشَدَه أبو عمرٍو الزاهدُ:
أنْعَتُها إني مِن نُعَّاتِها مُدارةُ الأخفافِ مُجَمَّرَاتُها
غلَبَ الذَّفارَى وعَفْرَنِيَّاتِها كُومُ الذُّرَى وادفةٌ سُرَّاتُها