فهرس الكتاب
فإنْ كانَ اسمًا بمجموعِ حروفِه، فهو إمَّا ظاهرٌ أو مُضْمَرٌ, وليس بظاهرٍ، لأنَّ الظاهرَ لا يَختلِفُ لفْظُه، باختلافِ المتكلِّمِ والغائبِ والمخاطَبِ, وإنْ كان مُضْمَرًًا فإِمَّا أنْ يكونَ إيَّا مُضمَرًا، وما بعدَه اسمٌ مُضمَرٌ، وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنه يكونُ قد دَخَلَ مُضمَرٌ على مضمَرٍ، لأنه على هذا الوجهِ يكونُ مُضافًا ومُضافًا إليه، ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الْمُضْمَراتِ لا تُضافُ لكونِها في أَقْصَى غايةِ التعريفِ، وإنْ كانَ الأوَّلُ مظْهَرًا والثاني مُضْمَرًا لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الاسمَ الظاهرَ يقومُ بنَفْسِه، وإيا لا يَقومُ بنَفْسِه، ويَمتنِعُ أنْ يكونَ بعدَه اسمٌ مضْمَرٌ؛ لأنَّ حكْمَ الْمُضْمَراتِ أنْ تكونَ متَّصِلَةً, وليستْ متصلَّةً ههنا، إذ الاتصالُ يكونُ بالفعْلِ والاسمِ الظاهرِ، وكِلاهما باطلٌ، فتَعَيَّنَ أنْ يكونَ الاسمُ المضمَرُ إيا, وما بعدَه حُروفٌ.
وإيا منصوبٌ معطوفٌ على الضميرِ في كأنها، ونَوْحٌ خبرُ كأنَّ, ويَجوزُ أنْ يكونَ مَصْدَرًا وُصِفَ به، والتقديرُ نِساءٌ نَوْحٌ، كما يُقالٌ: قومٌ صَوْمٌ وفِطْرٌ، وفوقَ ظرْفُ مكانٍ، أيْ كأنها تَنُوحُ في ذلك الْمَوْضِعِ, وعلى قولِنا: له صِفةٌ. يَجوزُ أنْ يكونَ ظَرْفًا له، أيْ تَنوحُ في ذلك الْمَوْضِعِ، وعلياءُ غيرُ منْصَرِفَةٍ للتأنيثِ ولُزومِه؛ لأنَّ المرادَ به البُقعةُ، و"ثُكَّلُ"صفةٌ لنَوْحٍ.
وأَغْضَى وأَغْضَتْ واتَّسَى واتَّسَتْ به مَراميلُ عَزَّاهَا وعَزَّتْهُ مُرْمِلُ
الإغضاءُ إدناءُ الْجُفونِ بعضَها مِن بعضٍ، ومعنى قولِه: اتَّسَى واتَّسَتْ به، أنَّ كُلاًّ منهما حالُه كحالِ الآخَرِ، والمرْمِلُ الذي نَفَدَ زَادُه, ومَراميلُ جَمْعُه.
وأَغْضَى وأَغْضَتْ مَعطوفٌ على"فَضَجَّ"، واتَّسَى بالتشديدِ افْتَعَلَ مِن الأُسوةِ، وهي الاقتداءُ، والأصلُ أنْ يكونَ مَهموزًا، فأَبْدَلُوا مِن الهمزةِ ياءً للسكونِ، وكُسِرَتْ همزةُ الوصْلِ قَبْلَها، ثم أَبْدَلُوا الياءَ تاءً، وأُدْغِمَتْ في تاءِ الافتعالِ, وقد رُوِيَ بالهمزةِ فيهما مِن غيرِ تَشديدٍ؛ لأنَّ همزةَ الوصْلِ حُذِفَتْ بحَرْفِ العطْفِ، فعادَتِ الهمزةُ الأصليَّةُ إلى مَوْضِعِها، ومَراميلُ فاعلُ"اتَّسَتْ"، وعَزَّاهَا صفةٌ لِمَراميلَ، كما قالَ: وعَزَّتْه، والأصْلُ في مَراميلَ مَرامِلُ، فأَشْبَعَ كسرةَ الميمِ فنَشأتِ الياءُ.
شَكَا وشَكَتْ ثم ارْعَوَى بعدُ وارْعَوَتْ ولَلصَّبْرُ إنْ لم يَنفَعِ الشَّكْوُ أَجْمَلُ
بعدُ هنا مَبْنِيٌّ لأنها بِمنزلةِ بعضِ الكلمةِ إذ كان معناها لا يَتَّضِحُ بدونِ المضافِ إليه، فهي مع المضافِ إليه بمنزلةِ الكلمةِ: الواحدةِ، وبُنِيَتْ على الضمِّ جَبْرًا لها مِن الوَهْن الداخِلِ عليها بقَطْعِها عن الإضافةِ. واللامُ في قولِه: ولَلصَّبْرُ. لامُ الابتداءِ، وأجملُ خبرُه، والشرْطُ مُعتَرِضٌ، و"إنْ"الشرطيَّةُ إذا تَعْقُبُها لم كان الجزْمُ بلم لا بها، وإنْ دَخلَتْ على لا، كان الجزْمُ بها لا بلا، وإنما كان كذلك لأنَّ لم عامِلٌ يَلزَمُه مَعمولُه، ولا يُفَرَّقُ بينَهما بشيءٍ، وأمَّا"إنْ"الشرطيَّةُ، فالتَّفْرِقَةُ بينَها وبينَ مَعمولِها بمعمولِ معمولِها جائزةٌ.
مثالُه: إنْ زَيدًا تُكْرِمْ أُكْرِمْهُ، وتَدخلُ أيضًا على الماضي، فلا تَعملُ في لفْظِه، و"لم"تُلازِمُ العمَلَ، وأمَّا لا فغيرُ عامِلَةٍ، إذا كانت نافيةً، فلذلك أُسْنِدَ العاملُ إلى إنْ، فمِن الأوَّلِ قولُه تعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ} ومِن الثاني قولُه تعالى: {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي} فالجزْمُ هنا بإنْ، وفي الأوَّلِ بلَمْ، والشكْوُ فاعلُ يَنفعُ.
وفاءَ وفاءَتْ بادِرَاتٍ وكُلُّها على نَكَظٍ مما يُكَاتِمُ مُجْمِلُ
فاءَ رَجَعَ, وبادِراتٌ مُسرِعاتٌ، ومِن هنا سُمِّيَ القمَرُ ليلةَ أربعةَ عشرَ بَدْرًا؛ لأنه يُبادِرُ الشمسَ بطلوعِه، والنَّكَظُ العَجَلَةُ يُقالُ: جاءَ ناكِظًا أي مُسْتَعْجِلًا, ويُكَاتِمُ أيْ يَكتُمُ ما عندَه، إذا لم يُبْدِه، وقيلَ: النَّكَظُ الجوعُ، ومُجْمِلُ أيْ يعامِلُ صاحبَه بالجميلِ.