الصفحة 36 من 43

قُلْ للفَرزدقِ والسفاهةُ كاسْمِها إنْ كنتَ تاركَ ما أَمَرْتُكَ فاجْلِسِ

أَصْبَحَ تُستعملُ ناقصةً وتامَّةً، والوَجهانِ هنا مُحتمِلانِ، أمَّا كونُها تامَّةً، فيَحْتَمِلُ أنه أَخْبَرَ عن الفريقينِ، بأنهما دَخَلاَ الصباحَ في هذه الحالِ، وفريقانِ العاملُ، و"جالسًا"حالٌ، والغُميصاءُ حالٌ مِن الضميرِ في"جالسًا"أيْ: أَصْبَحَ جالسًا وهو بالغُميصاءِ، والوجهُ الآخَرُ أنْ تكونَ ناقصةً، وفريقانِ اسْمُها، و"جالسًا"خبَرُها، والواجبُ أنْ يُطابِقَ الخبرُ الاسمَ في التثنيةِ والجمْعِ، ولكنِ اكتَفَى بالواحدِ عن الاثنينِ، وقد جاءَ ذلك, فمِنه قولُ الشاعرِ:

وكأنَّ في العَينينِ حَبَّ قُرُنْفُلٍ أو سُنْبُلًا كُحِلَتْ به فانْهَلَّتِ

فأَفْرَدَ"كُحِلَتْ"، وهو يُريدُ: كُحِلَتَا, وكذلك: فانْهَلَّتِ، أيْ: فانْهَلَّتَا.

وكذلك قولُ الآخَرِ:

لِمَنْ زُحلوفةٌ زَلُّ بها العَينانِ تَنْهَلُّ

أيْ: تَنْهَلاَّنِ. ففَعَلَ فيه كما تَقدَّمَ.

وأمَّا"عَنِّي"فالعامِلُ فيها فعْلٌ محذوفٌ يُفَسِّرُه"يَسألُ"، تَقديرُه: أَصْبَحَ يَسألُ عَنِّي فريقانِ، والداعي إلى هذا التقديرِ: أنْ يَسألَ، ومَسؤولٌ صفةٌ لـ"فريقانِ"، فلو أَعْمَلَ واحدًا منهما في"عني"لأُعْمِلَتِ الصفةُ فيما قَبْلَها، ولا تَعْمَلُ فيما قَبْلَها، لأنها نازِلةٌ مَنزلةَ الصلةِ مع الموصولِ، وكما أنَّ الصلةَ لا تَعملُ في الموصولِ ولا فيما قبلَه، فكذلك الصفةُ؛ لأنَّ ما في حَيِّزِ الصفةِ كالصِّلَةِ، والصفةُ مع الموصوفِ بمنزلةِ الاسمِ الواحدِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ"عني"صِفةً لجالِسٍ، أيْ بَعيدًا مجاوزًا لي، فَلَمَّا قُدِّمَ صارَ حالًا، ويَجوزُ على هذا أنْ يكونَ متَعَلِّقًا بـ"جالسًا"، وبالغُميصاءِ ظرْفٌ، العاملُ فيه"جالِسًا"، أي""جالسًا"في الغُميصاءِ، ولا يَعملُ فيه ما هو صفةٌ لـ"فريقانِ"؛ لِمَا ذَكَرْنَا قبلُ، ويَجوزُ أنْ يكونَ خبرُ "أَصْبَحَ""فَريقانِ"، أيْ مُسْتَقِرِّينَ بالغُميصاءِ، فعلى هذا يكونُ"جالسًا"حالًا مِن ضميرِ الاستقرارِ، ولم تُثَنَّ الحالُ لِمَا ذَكَرْنَا قبلُ مِن الاكتفاءِ بالواحدِ عن التثنيةِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن"فريقانِ"؛ لأنه وإن كان نَكرةً فقد وُصِفَ، ويَجوزُ أنْ يكونَ"جالسًا"صفةً لـ "فَريقانِ"، وإنما أُفْرِدَ لِمَا تَقَدَّمَ، فلَمَّا قَدَّمَ"جالسًا"نُصِبَ على الحالِ، ومسؤولٌ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أيْ أحَدُهما مسؤولٌ والآخَرُ يَسألُ، قالَ شيخُنا مُحِبُّ الدِّينِ ـ أثابَه اللهُ الجنَّةَ ـ: الْجَيِّدُ أنْ يُقَدَّرَ ههنا مبتدأٌ، ومسؤولٌ وآخَرُ يَسأل ُخبرُه، ويكونُ التقديرُ: هما، وعندَ الأخفَشِ, أنَّ الظرْفَ يَعْمَلُ الرفعَ في الاسمِ الذي بعدَه، كما يَعْمَلُه الفعلُ في الفاعلِ، سواءٌ اعتمَدَ على ما قبلَه أو لم يَعتمدْ، إلا أنه إذا اعتمَدَ كان موضعَ اتفاقٍ، وههنا وافَقَ الأخفَشُ على أنَّ الظرْفَ وهو بالغُميصاء، لا يكونُ رافعًا لـ"فريقانِ"؛ لأنَّ "أَصْبَحَ" يَقتضِي اسمًا مرفوعًا وخبرًا منصوبًا، فإذا رَفعتَ"فريقانِ"، تَعَرَّى "أَصبحَ"عن معمولٍ، وهو خَرْقُ القاعدةِ، فلذلك وافَقَ هنا."

فقَالُوا لقد هَرَّتْ بليلٍ كلابُنا فقُلنا أذِئْبٌ عَسَّ أمْ عَسَّ فُرْعُلُ

هريرُ الكلبِ صوتُه دُونَ نُباحِه مِن قِلَّةِ صَبْرِه على البَرْدِ. وهَرَّ الكلْبُ يَهِرُّ هَريرًا. قالَ الشاعِرُ يَصِفُ شِدَّةَ البَرْدِ:

إذا كَبَدَ النجْمُ السماءَ بشَتْوَةٍ على حينَ هَرَّ الكلْبُ والثلْجُ خاشِفُ

والْخَشْفَةُ الْحِسُّ والحركةُ، وخَشَفَ الثلْجُ، وذلك في شِدَّةِ البَرْدِ، تَسمعُ خَشْفَةً عندَ المشْيِ عليه، ونَصَبَ حينَ لأنه جَعَلَ"على"فَضلةً زائدةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت