فهرس الكتاب
والعَسُّ الطوافُ بالليلِ، وعَسَّ الكلبُ إذا طافَ فطَلَبَ، والفُرْعُلُ ولَدُ الضَّبُعِ، وفي الْمَثَلِ (أَغْزَلُ مِن فُرْعُلٍ) وهو مِن الغَزَلِ والْمُرَاوَدَةِ.
والفاءُ في"فقالوا"رابطةٌ لِمَا بعدَها بما قَبْلَها، واللامُ في"لقد"جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، أيْ: واللهِ لقد، وبِليلٍ ظرْفٌ لِـ"هَرَّتْ"، ويَجوزُ جعْلُه حالًا مِن"كلابُنا"، وموضِعُ هذه الْجُملةِ وما يَتعلَّقُ بها نصْبٌ بـ"قالوا"؛ لأنه المفعولُ، وهي جُملةٌ مَحكيَّةٌ، وأَذِئْبٌ يَجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، أي العاسُّ، و"عَسَّ"على هذا صفةُ ذِئْبٍ، أي عاسٌّ، ويَجوزُ أنْ يكونَ مَرفوعًا بفعْلٍ يُفَسِّرُه"عَسَّ"، أيْ: عَسَّ ذِئبٌ، ومتى كان الاسمُ مَرفوعًا وَحُكِمَ بأنه فاعلٌ لفعْلٍ محذوفٍ، كانَ الفعْلُ واقِعًا بعدَ الاسمِ المفَسِّرِ للفعْلِ المحذوفِ، مِن جِنسِ المفَسَّرِ و"عَسَّ"الذي بعدَ أَذِئْبٌ لا مَوْضِعَ له، وهو المحذوفُ، وأمْ هي المعادِلَةُ هَمزةَ الاستفهامِ متَّصِلَةٌ؛ لأنه يَصِحُّ أنْ تُقَدَّرَ بـ (أَيُّهما) فيُقالُ: أيُّهما عَسَّ، كما إذا قُلتَ: أَزيدٌ عندَك أمْ عمرٌو، أيْ أيُّهما عندَك، وإنما كان كذلك لأنَّ (أيَّهما) اسمٌ مُفْرَدٌ، فإذا كان خَبَرُها مُتَّحِدًا، جازَ, لا أنْ يكونَ مُخْتَلِفًا بجَرٍّ, كما إذا قُلتَ: أَزَيْدٌ في الدارِ أمْ عمرٌو في السوقِ؟ لأنه لا يَصِحُّ تقديرُ: أيُّهما عندَك، وقيلَ: بل هي منْقَطِعَةٌ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الاسمينِ، وهما ذِئبٌ وفُرعُلٌ قد اختَصَّ بِخَيَرٍ أُسْنِدَ إليه، وما بعدَ"فقلتا"نَصْبٌ به لأنه مَحْكِيٌّ.
فلم تَكُ إلا نَبأةٌ ثم هَوَّمَتْ فقُلنا قَطاةٌ رِيعَ أمْ رِيعَ أَجدَلُ
النَّبْأَةُ: صوتٌ, أيْ: ما كان إلا صوتٌ ثم نامَتْ؛ لأنَّ التهويمَ هو النومُ، يُقالُ: هَوَّمَتْ أي نامَتْ، رِيعَ أيْ أُفْزِعَ، والأجْدَلُ الصقْرُ.
والمعنى أنه لم يُوجَدْ مِن الكلابِ إلا صوتٌ, فزَالَ نَوْمِي كما يَزولُ نومُ القَطاةِ والأَجْدَلُ بأَدْنَى حركةٍ أو صوتٍ.
و"لم"جازِمَةٌ لـ"تَكُ"، والأصْلُ"تكونُ"، فحُذِفَتْ حركةُ النونِ بالجازِمِ، فلَمَّا سَكَنَتِ النونُ حُذِفَتِ الواوُ لسكونِها وسكونِ النونِ بعدَها، وكانَ حذْفُ الواوِ أَوْلَى؛ لأنه حرْفُ عِلَّةٍ، ثم حُذِفَتِ النونُ لكثرةِ الاستعمالِ لهذه الكلمةِ، ولا يُقاسُ عليه مِثلُ: يَمُونُ ويَهونُ، ويَصونُ، ونظائرُه، لكثرةِ الاستعمالِ لـ"كانَ"، وكانَ هنا تامَّةٌ لأنها بمعنى الوِجدانِ، ونَبأةٌ فاعلُها، و"إلا"غيرُ عاملةٍ هنا في اللفْظِ، وإنما أَثَّرَتْ في المعنى لأنها نَفَتْ النفيَ المتقَدِّمَ، و"ثم"عاطفةٌ للجملةِ التي بعدَها على الجملةِ التي قبلَها، وليستْ عاطفةً لِـ"هَوَّمَتْ"على نفْسِ"تَكُنْ"؛ لأنه يُؤَدِّي إلى نَفْيِ التهويمِ، ومرادُ الشاعرِ إثباتُه، وقَطاةٌ خبرُ مُبتدأٍ, أيْ: أَهَذِه قَطاةٌ، ورِيعَ صِفةٌ لقطاةٍ أيْ: مَروعةٌ، وقيلَ: قَطاةٌ مُبتدأٌ، ورِيعَ خبرُه، وفيه بُعدٌ، لكونِ المبتدأِ نَكرةً ولم يَقْوَ بشيءٍ، كالمواضِعِ التي يُبْتَدَأُ بالنَّكِرَاتِ فيها، وتَرْكُ التأنيثِ في"رِيعَ"شاذٌّ مُخَالِفٌ للقياسِ, إذ القياسُ يَقتضِي عندَ تَقَدُّمِ الاسمِ على الفعلِ إلحاقَ التاءِ على الفعْلِ، كقولِك: هندٌ قامَتْ، وزينبُ أَقْبَلَتْ، وقد جاءَ مِن ذلك شاذًّا:
فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... ولا أرْضٌ أَبْقَلَ أبقالَها
فلم يُلْحِقِ التاءَ في"أَبْقَلَ".
وقيلَ: إنَّ القَطاةَ طائرٌ، والطائرُ اسمُ جِنْسٍ، فلم يُلْحِقِ التاءَ حَمْلًا على الجنْسِ، والهمزةُ مقَدَّرَةٌ في أوَّلِ قَطاةٍ، أيْ أَقطاةٌ، ودَلَّ على صِحَّةِ هذا التقديرِ قولُه: أمْ رِيعَ أَجْدَلُ، والكلامُ في"أَمْ"هذه كالكلامِ في"أم"الْمُقَدَّمَةِ.
فإنْ يَكُ مِن جِنٍّ لَأَبْرَحُ طَارِقًا وإنْ يكُ إنسًا مَاكَهَا الإنْسُ تَفعلُ