فهرس الكتاب
الْبَرْحُ الشدَّةُ، قالَ الشاعرُ:
أَجَدِّكَ هذا عَمْرَك اللهَ كلما دَعاكَ الهَوَى بَرْحٌ لعينيك بارِحُ
"إنْ"شَرطيَّةٌ، و"يَكُ"تَقَدَّمَ الكلامُ عليها، واسْمُها مضمَرٌ فيها. أيْ: إنْ يَكُ الْمُرَوِّعُ، و"مِن جِنٍّ"خبرُ كانَ، أيْ إنْ كانَ جِنِّيًّا، واللامُ في"لأَبْرَحُ"، جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، أيْ واللهِ لأَبْرَحُ، وهنا جوابُ القسَمِ أَغْنَى عن جوابِ الشرْطِ، كقولِه تعالى: {وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولَنَّ} وكما لو قُلتَ: إنْ أَكْرَمْتَنِي لأُكْرِمَنَّكَ، أيْ واللهِ، و"طارقًا"تَمييزٌ، ويَجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن الضميرِ في"لأَبْرَحُ"، وهو للطارقِ، و"إنْ يَكُ""إنسًا"مثلُ أوَّلِ البيتِ، والكافُ معناها التشبيهُ، وهي حرْفُ جَرٍّ، وقد تَكونُ اسمًا، وهي مُحْتَمِلَةٌ للأمرينِ هنا، فإذا كانتْ حَرْفًا حُكِمَ بأنها في موضِعِ نصْبٍ بـ"تَفعلُ"، وإنْ كانتِ اسْمًا كانتْ مَفعولًا صَريحًا، أيْ ما تَفعلُ الإنسُ مثلَها، والضميرُ في"ها"عائدٌ إلى الفِعلةِ التي وُجِدَتْ, والإنسُ مُبتدأٌ, و"تَفعلُ"خبرُه.
ويومٍ مِن الشِّعْرَى يَذوبُ لُوَابُهُ أَفاعيهِ في رَمضائِه تَتَمَلْمَلُ
الشِّعْرَى الكوكبُ الذي يَطْلُعُ بعدَ الجوزاءِ، وطُلوعُه في شِدَّةِ الْحَرِّ، وذابَ الشيءُ نَقيضُ جَمُدَ، ولُوابُه ولُعابُه واحدٌ، ولُوابُه هنا ما تَراهُ مِن شِدَّةِ الْحَرِّ مثلَ نسْجِ العَنكبوتِ، والأَفاعِي جَمْعُ أَفْعَى وهي الْحَيَّةُ، والرَّمْضُ شِدَّةُ وقْعِ الشمسِ على الرمْلِ وغيرِه، والأرضُ رَمضاءُ, أيْ أصابَها الرمْضُ، والتَّمَلْمُلُ التحرُّكُ على الفِراشِ إذا لم تَستَقِرَّ عليه مِن الوَجَعِ، كأنه على مَلَّةٍ, والْمَلَّةُ الرمادُ الحارُّ، قالَ الشاعرُ:
أَبَاتَكَ اللهُ في أبياتِ مُعْتَتِرٍ عن الْمَكارِمِ لا عَفٌّ ولا قَارِي
صَلْدُ النَّدَى زاهدٌ في كُلِّ مَكْرُمَةٍ كأنما ضَيْفُهُ في مَلَّةِ النارِ
الْمُعْتَتِرُ الذي يَتَنَحَّى يَنْزِلُ ناحيةً هرَبًا مِن القِرَى، وقولُه: ولا قارِي، أيْ: لا يَقْرِي الضيْفَ.
والواوُ في و"يومٍ"واوُ"رُبَّ"، وقد ذُكِرَ مِثلُه، و"مِن"لبيانِ الجنْسِ, والتقديرُ: ويومٍ مِن الأيامِ التي تَطْلَعُ فيها الشِّعْرَى، و"مِن الشِّعْرَى"صفةُ يومٍ، و"يَذوبُ"نَعْتٌ لـ"يومٍ"أيضًا، أيْ: ذائبٌ لُوابُه، وأَفاعيهِ مُبتدأٌ و"تَتملمَلُ"خَبَرُه, وفي رَمضائِه مُتعلِّقٌ بـ"تَتملمَلُ".
نَصَبْتُ له وَجْهِي ولا كِنَّ دُونَه ... ولا سِتْرَ إلا الأَتْحَمِيُّ الْمُرَعْبَلُ
النصْبُ الإقامةُ. تَقولُ: نَصبتُ وَجْهِي للحَرِّ أَقَمْتُهُ، والكِنُّ السِّتْرُ، والجمْعُ أَكنانٌ، قالَ عَزَّ مِن قائلٍ: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} قالَ الكِسائيُّ كَنَنْتُ الشيءَ سَترتُه وصُنْتُه مِن الشمسِ، والأَتْحَمِيُّ ضَرْبٌ مِن البُرودِ, قالَ قائلُهم:
وعليه أَتْحَمِيٌّ ... نَسْجُه مِن نَسْجِ هَوْرَمْ
غزَلَتْهُ أمُّ خَلْمِي كلَّ يومٍ وزنَ دِرْهَمْ
والْخِلْمُ بكسْرِ الخاءِ وسكونِ اللامِ الصدِيقُ.
والْمُرَعْبَلُ الممَزَّقُ، يُقالُ: ثَوبٌ مُرَعْبَلٌ, أيْ مُمَزَّقٌ.
"نَصَبْتُ"هو العاملُ في"يومٍ"، الذي هو أوَّلُ البيتِ الْمُتَقَدِّمِ، ويُسَمَّى جَوابَ رُبَّ، ويَجوزُ أنْ يكونَ نَعْتًا لهذا أيْ: ويومٍ مَنصوبٍ له وَجْهِي، وهذا أظهَرُ الوجهينِ؛ لأنَّ"نَصبتُ"قد استَوْفَى مفعولَه، فلا يَتعدَّى غيرَه، وكذلك لو قُلتَ: لَقيتُ اليومَ زَيْدًا، لم يكنِ اليومُ مَفعولًا لـ"لَقِيتُ". ويُؤَيِّدُه عَوْدُ الهاءِ في"له"إليه، وهذا شأنُ الصفةِ، فعلى هذا يكونُ العاملُ في"رُبَّ"فِعْلًا تقديرُه: لابَسْتُ يومًا شديدَ الْحَرِّ، والهاءُ في"له"لليومِ، ولا كِنَّ,