فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 604

وإنما وجب العُدول عن نصب"بائس"على الحال من الياء التي في"سلاحي"لما ذكرتهُ لك مِن عِزّةِ حالِ المضاف إليه، فإذا وجدتَ مندُوحةً عنه وجب تركُه. وسَلبَ: يتعدى إلى مفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما، كقولك: سلبت زيدًا ثوبًا، وقالوا: سُلِبَ زيدٌ ثوبُه، بالرفع على بدل الاشتمال، وثوبَه، بالنصب على أنه مفعول ثان، وفي التنزيل: {وَإِن يَسلُبهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لا يَستَنقِذُوهُ مِنهُ} فيجوز على هذا أن تجعل"بائسا"مفعولا ثانيا بتقدير حذف الموصوف: أي سلبتَ سلاحي رجلًا بائسا، كما تقول: لتُعامِلَنَّ منّي رجلًا مُنصفا، ومما جاءت فيه الحال من المضاف إليه في القرآن قوله تعالى: {قُل بَل مِلَّةَ إِبرَاهِيمَ حَنِيفًا} قيل: إن"حنيفًا"حال من إبراهيم، وأوجه من ذلك عندي أن تجعله حالًا من"المِلّة"وإن خالفها بالتذكير؛ لأن الملَّة في معنى الدِّين، ألا ترى أنها قد أُبدلت من الدِّين في قوله جلّ وعزّ: {دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبرَاهِيمَ} فإذا جعلت"حَنيفًا"حالًا من"المِلّة".

[أمالي ابن الشجري: 1/ 25]

فالناصب له هو الناصب للملَّة، وتقديره: بل نتَّبع مِلَّةَ إبراهيمَ حنيفا، وإنما أضمر"نتَّبع"لأن ما حكاه الله عنهم من قولهم: {كُونُوا هُودًا أو نَصَارَى تَهتَدُوا} معناه: اتبعوا اليهودية أو النَّصرانية، فقال لنبيه فقال قل بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا.

وإنما ضعف مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن العامل في الحال ينبغي أن يكون هو العاملَ في ذي الحال.

رجعنا إلى ما بدأنا به من الإخبار عن عمارة بن زياد العَبسيّ. قالوا: وكان عُمارةُ يحسُد عنترةَ على شجاعته، إلا أنه كان يُظهر تحقيره، ويقول لقومه: إنكم قد أكثرتم مِن ذِكره، ولَودِدتُ أني لقيتُه خاليًا حتى أريحكُم منه، وحتى أعلِمَكم أنه عَبد،

وكان عُمارةُ مع جوده كثيرَ المال، وكان عنترة لا يكاد يُمسِك إبلًا، ولكن يعطيها إخوتَه ويقسِمُها فيهم، فبلغه ما يقول عُمارة فقال:

أَحَولِي تَنفُضُ استُكَ مِذرَوَيها ... لِتَقتُلَنِي، فَها أَنا ذا عُمَارا

مَتى ما تَلقَنِي خَلوَين تَرجُف ... رَوانِفُ أَليَتَيكَ وتُستَطارا

وسَيفِي صارِمٌ قَبَضَت عَلَيهِ ... أَشاجعُ لا تَرَى فِيها انتِشَارا

حُسامٌ كالعَقِيقَةِ فَهوَ كِمعِي ... سِلاحِي، لا أَفَلَّ ولا فُطارا

ومُطَّرِدُ الكُعُوب أَحَصُّ صَدقٌ ... تخَالُ سِنانَهُ في اللَّيلِ نَارا

سَتَعلَمُ أَيُّنا للمَوت أَدنَى ... إذا دانَيتَ لي الأَسَلَ الحِرارا

وخَيلٍ قد دَلَفتُ لَها بخَيل ... عَلَيها الأُسدُ تَهتَصرُ اهتصارا

المِذرَوان: جانبا الأليتين المقترِنان، ومن كلام العرب"جاء يَنفُضُ مِذرَوَيه"

[أمالي: ابن الشجري: 1/ 26]

إذا جاء يتهدّد. وهذا الحرف مما شذ عن [القياس] نظائره، وكان حقُّه أن تصير واوه إلى الياء كما صارت إلى الياء في قولهم: مَلهَيان ومَغزَيان؛ لأن الواو متى وقع في هذا النحو طَرَفًا رابعًا فصاعدا استحق الانقلاب إلى الياء، حملا على انقلابه في الفعل في نحو يُلهِي ويُغزِي، وإنما انقلبت الواو ياء في قولك: ملهيان ومغزيان وإن لم تكن طَرَفًا؛ لأنها في تقدير الطَّرَف، من حيث كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت