فهرس الكتاب
هذا السّنن في المنفصل فيما حكاه عن الجسد، فقالوا: مد الله في أعمارِكما، ونسأ الله في آجالكما، ومثله في المنفصِل فيما حكاه سيبويه: ضع رحالهما.
ومن العرب من يعطي هذا كله حقه من التثنية، فيقولون: ضربت رأسيهما،
[أمالي ابن الشجري: 1/ 15]
وشققت بَطنَيهما، وعرفتُ ظَهريكما، وحيّا الله وجهيكما، فممّا ورد بهذه اللغة قولُ الفرزدق:
... بما في فُؤادَينا مِن الشوقِ والهَوَى
وقول أبو ذؤيب:
فَتَخَالَسَا نَفسَيهِمَا بِنَوَافِذٍ ... كَنَوَافِذِ العُبطِ الَّتِي لَا تُرقَعُ
أراد بِطَعَناتٍ نوافِذ، والعُبُط: جمع العَبِيط. وهو البَعيرُ الذي يُنحَرِ لغيرِ داء.
والجمع في هذا ونحوه، هو الوجهُ، كما جاء في التنزيل: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا} وجمع هِميان بنُ قُحافة بين اللغتين في قوله:
وَمَهمَهَينِ قَذَفَينِ مَرتَين ... ظَهرَاهُمَا مِثلُ ظُهُورِ التُّرسَين
المَهمه: المفازَةُ الخرقاء، والقَذَفُ والقَذِيف: البعيد، والمَرتُ: كلُّ مكان لا يُنبِت مَرعًى.
وربما استغنَوا في هذا النحو بواحد؛ لأن إضافة العضو إلى اثنين تنبئ عن المراد، كقولك: ضربتُ رأسَ الرجلين، وشققتُ بَطنَ الحَملين، ولا يكادون يستعملون
[أمالي ابن الشجري: 1/ 16]
هذا إلا في الشعر، وأنشدوا شاهدًا عليه:
كأنّه وجهُ تُركِيّينِ قد غَضِبَا ... مُسُتهدِفٌ لِطعانٍ غير مُنجَحِرٍ
ذَبَّ فلان عن فلان: دفَع عنه، وذبَّب في الطعن والدفع: إذا لم يُبالِغ فيهما. قال سيبويه: وسألته، يعني الخليل، عن قولهم: ما أحسَنَ وجوهَهُما [فجمعوا وهم يريدون اثنين] فقال: لأن الاثنين جميع، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا [ذاك] ، ولكنهم أرادوا أن يُفرّقوا بين ما يكون مفردا، وبين ما يكون شيئا من شيء.
والقول في تفسير هذه الحكاية: أنهم قالوا: ما أحسنَ وجوه الرجلين، فاستعملوا الجمع موضع الاثنين، كما قال الاثنان: نحن فعلنا، ونحن إنما هو ضمير موضوع للجماعة، وإنما استحسنوا ذلك لما بين التثنية والجمع من التقارُب، من [لأمالي ابن الشجري: 1/ 17]
حيث كانت التثنية عددًا تركَّب مِن ضمّ واحدٍ إلى واحد، وأول الجمع، وهو الثلاثة، تركَّب مِن ضمّ واحدٍ إلى اثنين، فلذلك قال:"لأن الاثنين جميع"وقوله:"ولكنهم أرادوا يفرِّقوا بين ما يكون مفردا وبين ما يكون شيئا من شيء"معناه أنهم أعطوا المفردَ حقَّه من لفظ التثنية، فقالوا في رجل: رجلان، وفي وجه: وجهان، ولم يفعل ذلك أهل اللغة العليا في قولهم: ما أحسنَ وجوه الرجلين، وذلك أن الوجه المضاف إلى صاحبه إنما هو شيء من شيء، فإذا ثنَّيتَ الثانيَ منهما علِم السامع ضرورةً أن