فهرس الكتاب
الأول لابد من أن يكون وَفقَه في العِدَّة، فجمعوا الأول كراهة أن يأتوا بتثنيتين متلاصقتين في مضاف إليه، والمتضايفان يَجريان مَجرَى الاسم الواحد، فلما كرهوا أن يقولوا: ما أحسن وجهي الرجلين، فيكونوا كأنهم قد جمعوا في اسمٍ واحد بين تثنيتين، غيَّرُوا لفظَ التثنية الأولى بلفظ- الجمع، إذ العِلمُ محيطٌ بأنه لا يكون للاثنين أكثرُ من وجهين، فلمَّا أمنوا اللبس في وضع الوجوه موضع الوجهين استعملوا أسهل اللفظين.
فأمّا ما في الجسد منه اثنان، فتثنيته إذا ثنّيتَ المضافَ إليه واجبةٌ، تقول: فقأتُ عينيهما، وقطعت أذنيهِما؛ لأنك لو قلت: أعينهما وآذانهما، لالتبس بأنك أوقعت الفعل بالأربع.
فإن قيل: لقد جاء في القرآن: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقطَعُوا أَيدِيَهُمَا} فجمع اليد، وفي الجسد يدان، فهذا يُوجب بظاهر اللفظ إيقاع القَطع بالأربع. الجواب: أن المراد فاقطعوا أيمانَهُما، وكذلك هي في مصحف عبد الله، فلما عُلِم بالدليل الشرعيّ أن القطعَ مَحَلُّه اليمين، وليس في الجسد إلا يمينٌ واحدة، جرَت مَجرى آحاد الجسد فجُمِعت كما جُمِع الوجهُ والظهرُ والقلب.
[أمالي ابن الشجري: 1/ 18]
والضرب الثالث مِن ضروب التثنية: تثنية التغليب، وذلك أنهم أجرَوا المختلفَين مُجرَى المتفقين، بتغليب أحدِهما على الآخر، لخفَّته أو شُهرته، جاء ذلك مسموعاَ في أسماءٍ صالحة، كقولهم للأب والأم: الأبَوَان، وللشمس والقمر: القَمران، ولأبي بكر وعُمر رضي الله عنهما: العُمَران، غلَّبوا القمر على الشمس لخفّة التذكير، وغلَّبوا عمر على أبي بكر؛ لأن أيام عمر امتدَّت فاشتهرت، ومَن زَعم أنهم أرادوا بالعُمرين عمر بر الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فليس قوله بشيء؛ لأنهم نطقوا بالعمرين من قبل أن يعرفوا عمر بن عبد العزيز، ورُوي أنهم قالوا لعثمان رضوان الله عليه: نسألك سيرَة العُمَرين، وقال الفرزدق:
أخَذنا بِآفَاقِ السّمَاءِ عَلَيكُمُ ... لَنَا قَمَرَاها وَالنّجُومُ الطّوَالعُ
أراد لنا شمسُها وقمرُها، وعني بالشمس إبراهيم، رب القمر محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، وبالنجوم عشيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك أراد المتنبي بالقمرين الشمس والقمر في قوله:
وَاستَقبَلَت قَمَرَ السَماءِ بِوَجهِها ... فَأَرَتنِيَ القَمَرَينِ في وَقتٍ مَعا
ولو لم يُرد الشمس والقمر لم يُدخل الألف واللام، ولقال: أرتني قمرين. وقيل في قوله تعالى: {يَا لَيتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعدَ المَشرِقَينِ فَبِئسَ القَرِينُ} : إن المراد المشرقُ والمغربُ، فغُلِّب المَشرقُ لأنه أشهر الجهتين.
[أمالي ابن الشجري: 1/ 19]
وقالوا لمصعب بن الزبير وابنه المُصعَبان، وقالوا لعبد الله بن الزُّبير وأخيه مُصعَب: الخُبَيبان، وكان عبد الله يُكنَى أبا خُبَيب، قال الراجز:
قَدنِيَ مِن نَصرِ الخُبَيبَينِ قَدِي
وقد أفرد صاحب (إصلاح المنطق) لهذا الضربابا.