فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 604

كان لَبيدُ بنُ ربيعة بنِ مالك بن جعفر بن كِلاب بن ربيعةَ بن عامر صَعصَعة من شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام فَحسُن إسلامه، وترك قولَ الشعر في الإسلام، وسأله عمرُ بن الخطاب رضوان الله عليه في خلافته، عن شعره واستنشده، فقرأ سورةَ البقرة، فقال: إنما سألتك عن شِعرك، فقال: ما كنت لأقولَ بيتًا من الشِّعر بعد إذ علَّمني الله البقرة وآل عِمران، فأعجبَ عمرَ قوله، وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسَمائة، وعاش إلى بعض أيام معاوية، وكان عطاؤه بالكوفة، وكتب معاوية إلى زياد

بأن المالَ قد قَلَّ وكثُر أهلُ العطاء، فانقُص مِن أعطِيات أهلِ الشرف خَمَسمائة فنقصهم زياد عند أخذهم للعطاء رجلًا رجلًا، حتى انتهى إلى لبيد، فقال له: هذان الخَرجان يا أبا عَقِيل فما هذه العِلاوة؟ فقال له لبيد: أمضِها لا أبا لك، فعن قليلٍ ما يرجع إليك الخَرجان والعلاوة، فاستحيا منه زياد لسِنّه

[أمالي ابن الشجري: 1/ 20]

وشرفه، فأعطاه من عطاءه على تمامه، ولم يفعل ذلك مع أحد غيره، فكان ذلك آخر ما قبض [مِن العطاء] .

وكان لبيدٌ إلى على نفسه في الجاهلية ألاَّ تَهُبَّ الصَّبا إلاّ نحر وأطعم الناس حتى تسكُن، وألزم ذلك نفسَه في الإسلام، وخطب الوليدُ بن عقبة أبي مُعَيط الناسَ بالكوفة في يوم صَبا، فقال: معاشر الناس، إن أخاكم لَبيدَ بن ربيعة إلى على نفسِه في الجاهلية، ألا تهُبَّ الصَّبا إلا نَحَر وأطعم الناس حتى تسكُن، وأقام على سُنّته في الإسلام، وهذا اليومُ من أيامه فأعِينوه، وأنا أولُ مَن يُعينه، ونزل عن المنبر، فبعث إليه بمائة بَكرة، وكتب إليه بهذه الأبيات:

أرى الجَزَّارَ يَشحَذُ شَفرتَيهِ ... إذا هَبَّت رِياحُ أبي عَقِيلِ

أشَمُّ الأنِف أصيدُ عامريٌّ ... طويل الباعِ كالسيفِ الصقيلِ

وفى ابنُ الجعفَرِيِّ بما عَليهِ ... عَلى العِلاتِ والمالِ القليلِ

فلما وصلت الأبياتُ إلى لَبيد، قال لبنتٍ له: يا بُنَيَّةُ أجيبيه، فقد رأيتني وما أعيا بجوابِ شاعر، فقالت:

إذا هبَّت رياحُ أبي عقيلٍ ... دَعونا عندَ هبَّتِها الوليدا

أشَمَّ الأنِف أصيدَ عَبشمِيًّا ... أعانَ علَى مروءِته لبيدا

بأمثالِ الهِضابِ كأنَّ ركبًا ... عليها من بني حام قعودا

أبا وَهبٍ جَزاك الله خيرًا ... نحَرناها وأطعَمنا الثريدا

فَعُد إنَّ الكريمَ له معادٌ ... وظَنِّي يا بابن أروَى أن يَعُودا

[أمالي ابن الشجري: 1/ 21]

فقال لها أبوها: أحسنتِ لولا أنك استَزَدتِيه، فقالت: إن الأمراءَ لا يُستَحيا من

الطلب إليهم، ولاغَضَاضَةَ على سائِلهم، فقال: وأنتِ في هذا القول أشعَرُ.

[أمالي ابن الشجري: 1/ 22]

المجلس الثالث

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت