فهرس الكتاب
النبي حتى محيت كل صورة فيها.
الحديث الرابع والعشرون: عن شيبة بن عثمان (قال: قال رسول الله يا شيبة امح كل صورة فِي البيت. ذكره البخاري فِي تاريخه.
الحديث الخامس والعشرون: «قال ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار أنه بلغه أن النبي أمر بطمس الصور التي كانت فِي البيت» . رواه عمر بن شبة فِي أخبار مكة.
وقال ابن هشام حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم ورأى إبراهيم مصورًا فِي يده الأزلام يستقسم بها فقال قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ماشأن إبراهيم والأزلام. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران: 67] . ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست.
الحديث السادس والعشرون: عن إسامة بن زيد رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال دخلت على رسول الله فِي الكعبة ورأى صورًا قال فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها ويقول قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون. رواه أبو داود الطيالسي فِي مسنده بإسناد جيد وعمر بن شيبة فِي أخبار مكة والحافظ الضياء المقدسي فِي المختارة.
وَفِي معنى قوله قاتلهم الله أقوال:
أحدها لعنهم الله قاله ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا واختاره الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
الثاني قتلهم الله قاله ابن جريج.
الثالث أنه ليس هو على تحقيق المقاتلة ولكنه بمعنى التعجب حكاه البغوي فِي تفسيره.
قال الراغب الأصفهاني والصحيح أن ذلك هو المفاعلة والمعنى صار بحيث يتصدى لمحاربة الله فإن من قاتل الله فمقتول ومن غالبه فهو مغلوب انتهى.
ويظهر لي أن المراد به ها هنا اللعن المقرون بالإنكار على المصورين والتعجب من سوء صنيعهم وجراءتهم على المضاهاة بخلق الله تعالى مع عجزهم عن نفخ الروح فيما يصورونه والله أعلم.
فإن قيل إن فِي هذه الأحاديث شيئًا من التعارض.
ففي الرواية الأولى عن عكرمة أن النبي أمر بالآلهة فأخرجت.
وَفِي روايته الأخرى أنه أمر بها فمحيت ومثله ما فِي حديث جابر وأسامة بن زيد وعمرو بن دينار.
وأيضًا ففي رواية كريب عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أن النبي دخل البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم. ونحوه ما فِي حديث أسامة بن زيد رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وما ذكره ابن هشام وهذا يعارض رواية عكرمة عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أن النبي أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة. ونحوه ما فِي حديث جابر (: أن النبي لم يدخل الكعبة، حتى محيت كل صورة فيها.
والجواب أن يقال: ليس بين هذه الروايات تعارض بحمد الله تعالى.
فأما التي يفهم منها التعارض بين المحو والإخراج فوجه الجمع بينها أنه أمر بمحو ما كان منقوشًا فِي أعمدة الكعبة وحيطانها وأمر بإخراج ما كان مجسدًا ليكسر خارج الكعبة مع الأصنام التي كانت حولها ليرى المشركين ما يصيب ألهتهم من الإهانة والإذلال وليعلموا أنها لا تنفع ولا تضر ولا تدفع عن أنفسها شيئًا فضلا عن عابديها. وعلى هذا فمن قال من الرواة أن النبي أمر بالصور فمحيت فمراده الصور المنقوشة ومن قال أمر بها فأخرجت فمراده الصور المجسدة والله أعلم.
وأما التي يفهم منها التعارض بين دخوله الكعبة مع وجود الصور فيها وبين امتناعه من الدخول حتى محيت الصور كلها فوجه