الصفحة 30 من 38

بأعمالهم.

وقد ذكر عبد الله بن الإمام أحمد فِي زوائد الزهد عن عبد الله بن شميط عن أبيه كان يقول من رضى بالفسق فهو من أهله.

قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من حضر المنكر باختياره ولم ينكره فقد عصى الله ورسوله بترك ما أمره به من بغض المنكر وإنكاره والنهي عنه وإذا كان كذلك فهذا الذي يحضر مجالس الخمر باختياربه من غير ضرورة ولا ينكر المنكر كما أمر الله هو شريك الفساق فِي فسقهم فيلحق بهم.

قلت ومثله من يحضر مواضع التصوير باختياره ولا ينكر على المصورين فهو شريكهم فِي ظلمهم وأثمهم.

وقد روى أبو داود الطيالسي فِي مسنده ومسلم فِي صحيحه والبخاري فِي التاريخ الكبير عن أم سلمة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عن النبي أنه قال: «يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع» .

وَفِي هذا الحديث دليل على أن الراضي بالذنب كفاعله.

ومما يدل على ذلك أيضًا ما أخبر الله به عن ثمود أنهم عقروا الناقة وإنما كان الذي عقرها واحدًا منهم والباقون أقروه ورضوا بفعله فصاروا شركاءه فِي الإثم والعقوبة قال الله تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ( [الشمس: 11 - 15] .

قال عبد الواحد بن زيد قلت للحسن يا أبا سعيد أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب إلا أنه رضى بقلبه قال يا ابن أخي كم يد عقرت الناقة قال قلت يد واحدة قال أليس قد هلك القوم جميعًا برضاهم وتمالئهم. رواه الإمام أحمد فِي الزهد.

إذا علم هذا فقد يزعم بعض الناس أنه ممن يكره التصوير وينكره فإذا أراد سفرًا إلى بعض البلاد المجاورة أو ما وراءها من الممالك لأجنبية جاء إلى المصور طائعًا مختارًا وطلب منه أن يصور صورته فِي كتاب جوازه.

وكذلك إذا عرض لبعض الناس وظيفة لا تحصل له إلا بالتصوير فإنه يأتي إلى المصور طائعًا مختارًا ويطلب منه أن يصور صورته وهذا ينافي ما يزعمونه من كراهة التصوير وإنكاره. ومن أمكن من تصوير نفسه طائعًا مختارًا فقد رضى بالتصوير وتابع عليه شاء أم أبى فيكون شريكًا للمصور فيما يلحقه من اللعنة والعذاب عياذًا بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.

ثم إن بعض الناس يفتي نفسه أو يفتيه بعض المنتسبين إلى العلم ممن لا تحقيق عندهم بأنه لا بأس بطلب التصوير لمن كان سفره أو توظيفه متوقفًا على التصوير ويعللون ذلك بأنه فِي حكم الملجأ إلى التصوير وليس الأمر كما يظنون ومن طلب التصوير وافتى نفسه بهذه الفتيا فقد جمع بين أمرين عظيمين.

أحدهما استحلال المحرم بالشبه الباطلة.

والثاني القول على الله بغير علم.

ومن أفتى غيره بهذه الفتيا فقد أحل له ما حرمه الله تعالى على لسان رسوله وعلى المفتي بذلك أثم العاملين بفتياه لقول الله تعالى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ( [النحل: 25] .

وَفِي سنن أبي داود وابن ماجه ومستدرك الحاكم عن أَبِي هُرَيْرَةَ (قال: قال رسول الله: «من أفتى بغير علم كان أثمه على من أفتاه» . هذا لفظ أبي داود. ولفظ ابن ماجه من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه. ورواه الحاكم باللفظين جميعًا.

ورواه البخاري فِي الأدب المفرد بنحو رواية ابن ماجه قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولا أعرف له علة ووافقه الحافظ الذهبي فِي تلخيصه.

والقول بأنه فِي حكم الملجأ قول باطل لأن الملجأ من يؤتى به قهرًا ويوقف للتصوير بغير اختياره. فأما من يأتي بنفسه طائعًا مختارًا طالبًا لتصوير فهذا لا شك فِي رضاه بالتصوير باختياره ويقف أمام المصور مقرًا له على تصويره فكل منهما شريك للمصور فيما يلحقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت