الصفحة 31 من 38

والله أعلم.

وقد روى ابن بطة بإسناد جيد عن أَبِي هُرَيْرَةَ (أن رسول الله قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بادنى الجيل» ويستثنى مما ذكرنا من يكون مريضًا مرضًا مخوفًا ولم يوجد له علاج إلا فِي الخارج فهذا قد يقال أنه فِي حكم الملجأ إلى التصوير لأنه يخشى على نفسه ويستثنى من ذلك أيضًا من يكون له مال كثير فِي الخارج ولا يتمكن من أخذه إلا بالسفر فهذا قد يقال: إنه فِي حكم الملجأ إلى التصوير لأنه يخشى من ضياع ماله الخطير والله أعلم.

(فَصْلٌ)

وقد عظمت البلوى فِي زماننا بصناعة التصاوير واتخاذها واستحل ذلك كثير من المسلمين فضلًا عن المنتسبين إلى الإسلام وغيرهم من أمم الكفر والضلال. فلا ترى صحيفة ولا مجلة إلا وهي مملوءة بالتصاوير. وكذلك كثير من الدكاكين والمجالس ولا سيما المجالس الرسمية فقد نصبت فيها تصاوير الكبراء. ومن أراد سفر إلى البلاد المجاورة أو ما وراءها من الممالك الأجنبية فإنه لا يمكن من السفر إلا بعد أخذ صورته ووضعها فِي كتاب جوازه.

وكذلك لا يكتب لأحد جنسية إلا بصورته.

وكذلك لا يمكن أحد من العمل عند الشركات الأجنبية إلا بصورته وكذلك لا يعطى أحد رخصة القيادة للسيارة إلا بصورته. والسراق وأصحاب الجرائم يصورون.

وغالب الموظفين لا يوظفون إلا بصورة حتى إن دائرة المعارف -وهي فِي الحقيقة دائرة المجاهل- يأمرون بتصوير المعلمين والمتعلمين ويأمرون التلاميذ بالتصوير ويجعلونه قسمًا من أقسام دروسهم فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وكل ما يفعله المسلمون وغيرهم مما ذكرنا ههنا وما لم نذكره فإنما هو محض التشبه بأعداء الله تعالى واتباع سننهم حذو النعل بالنعل.

وقد ثبت عن النبي أنه قال من تشبه بقوم فهو منهم. رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وصححه ابن حبان.

وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى إسناده جيد.

وَفِي جامع الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى» .

(فَصْلٌ)

ومن الناس من يستحل صناعة التصوير المحرم واتخاذ الصور المحرمة بأنواع من الشبه الباطلة.

فمن ذلك قول بعضهم: إن التصوير مكروه لا محرم وعللوا ذلك بعلة باطلة سيأتي ذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى وهذه الشبهة قديمة وقد ذكرها ابن دقيق العيد فِي شرح العمدة وبالغ فِي ردها.

قال فِي شرح حديث عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: إن رسول الله قال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» متفق عليه.

فيه دليل على تحريم مثل هذا الفعل وقد تضافرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور.

ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة وأن هذا التشديد كان فِي ذلك الزمان لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده لا يساويه فِي هذا المعنى فلا يساويه فِي هذا التشديد هذا أو معناه، وهذا القول عندنا باطل قطعًا لأنه قد ورد فِي الأحاديث الأخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين وأنهم يقال لهم أحيوا ما خلقتم وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل وقد صرح بذلك فِي قوله عليه الصلاة والسلام: «المشبهون بخلق الله» ، وهذه علة عامة مستقلة مناسبة لا تخص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت