فهرس الكتاب
زمانا دون زمان وليس لنا أن نتصرف فِي النصوص المتظاهرة المتضافرة بمعنى خيالي يمكن أن يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره وهو التشبه بخلق الله.
قلت: وأكثر الأحاديث التي تقدم ذكرها ترد هذه الشبهة أيضًا، وقد ذكرت ما فيها من الدلالة على التحريم فِي مواضع كثيرة ولله الحمد والمنة، وأذكر ههنا ما لم يذكره ابن دقيق العيد.
فمن ذلك قوله فِي الحديث القدسي: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» ، وهذا لفظ عام يقتضي تحريم التصوير فِي كل زمان والعلة فيه المضاهاة بخلق الله تعالى، وهي علة عامة مستقلة لا تخص زمانا دون زمان.
ووصفه تبارك وتعالى للمصورين بارتكاب أعظم الظلم يقتضي العموم لكل مصور فِي كل زمان ومكان.
ومن ذلك لعن المصورين على الإطلاق وذلك مما يقتضى تحريم التصوير على العموم فِي كل زمان.
ومن ذلك الأمر بطمس الصور على العموم وذلك مما يقتضى تحريم التصوير فِي كل زمان.
ومن ذلك قوله من عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد وهذا يعم كل زمان من وقت هذا القول إلى قيام الساعة وَفِي هذا الحديث من التشديد فِي التصوير وتغليظ تحريمه ما ليس فِي غيره من الأحاديث والله أعلم.
(فَصْلٌ)
ومن الشبه الباطلة أيضًا فتيا بعض العصريين بإباحة حضور السينما لرؤية ما يصور فيها من ساحات القتال، وحجته أن ذلك مما يبعث على الشجاعة، والإقدام على القتال. وهذه حجة داحضة.
والجواب عنها من وجوه:
أحدها: أن السينما من أنواع السحر التخييلي، بل هي أخبث منه، لأن كل ما يأتيه به أصحاب السحر التخييلي يمكن الإتيان به فيها وزيادة. والسحر لا يجوز تعاطيه، ولا الحضور عند من يعمله. وهكذا الأمر فِي السينما، فلا يجوز عملها، ولا الحضور عندها، لأن الحضور عندها بدون تغيير دليل على الرضا بالسحر، والراضي بالذنب كفاعله.
الثاني: أن الحضور عند السينما دليل على الرضا بما ركب فيها من صور الآدميين والحيوانات، والراضي بالصور شريك للمصورين كما تقدم تقرير ذلك.
الثالث: أن الإفتاء بجواز حضور السينما يتضمن رد الأحاديث الدالة على تحريم التصوير والمنع من اتخاذ الصور ومشروعية طمسها. ومن أفتى بخلاف الأحاديث الثابتة عن النبي فهو إما جاهل ضال وإما معاند مشاق للرسول، وعلى كلا التقديرين فعليه إثم العاملين بفتياه، لقول الله تعَالَى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ( [النحل: 25] .
ولما رواه أبو داود وابن ماجه فِي سننيهما والبخاري فِي الأدب المفرد والحاكم فِي مستدركه عن أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ» .
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولا أعرف له علة، ووافقه الذهبي فِي تلخيصه.
الرابع أن الحضور عند السينما لرؤية ما فيها من الصور مخالف لهدي رسول الله وموافق لهدي النصارى والمشركين.
فأما هدي رسول الله فقد تقدم أنه لم يدخل الكعبة حتى محيت الصور منها.
وتقدم أيضًا أنه رجع عن دخول بيت علي (لما رأى فيه سترًا تصاوير.
وتقدم أيضًا أنه لما رأى نمرقة عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وقف بين البابين ولم يدخل.
وتقدم أيضًا ما روي عن عمر (أنه امتنع من دخول الكنيسة من أجل الصور.