فهرس الكتاب
وتقدم أيضًا ما روى عن ابن مسعود وأبي مسعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي ذلك. وكفى بالخليفة الراشد عمر (قدوة بعد رسول الله وبعد أبي بكر الصديق (.
وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث حذيفة بن اليمان رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عن النبي أنه قال: «اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر» . قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وله أيضًا من حديث ابن مسعود (عن النبي نحوه.
وأما النصارى والمشركون فقد كانوا مفتونين بصناعة التصاوير واتخاذها والنظر إليها كما تقدم بيان ذلك وعلى هذا فالمتخذون للسينما والحاضرون عندها لرؤية ما فيها من الصور كلهم منحرفون عن هدي رسول الله ومتشبهون بالنصارى والمشركين ومن تشبه بقوم فهو منهم.
الوجه الخامس أن يقال ليس كل ما بعث على الشجاعة والإقدام يكون جائزًا بل ينظر فِي الشيء فإن كان مما لا بأس به فالتدرب به على الشجاعة والإقدام جائز وقد يكون مندوبًا إليه كالمسابقة على الخيل وتعلم الرمي وغير ذلك من القوى الحربية الحادثة فِي هذه الأزمان.
وإن كان مما به بأس فالتدريب به غير جائز وقد يكون محرمًا شديد التحريم كالخمر فقد قيل: إنها تبعث على الشجاعة والإقدام، كما قال حسان بن ثابت (:
ونشربها فتتركنا ملوكًا ... وأسدًا ما ينهنهنا اللقاء
ومع هذا، فشربها حرام على كل حال.
ومن هذا الباب: حضور السينما فإنه حرام على كل حال سواء كان باعثًا على الشجاعة والإقدام أو لم يكن، لأنَّ الحضور عندها دليل على الرضا بما فيها من المضاهاة بخلق الله، ودليل على الرضا بما فيها من السحر، ودليل على الرضا بما يمثل فيها من أنواع الفسوق والعصيان، وقد ذكرت مرارًا: أن من رضي بشيء من المعاصي فهو شريك لصاحب المعصية، وذكرت الدليل على ذلك قريبًا، فليراجع.
(فَصْلٌ)
وَمِنَ الشُّبَهِ الْبَاطِلَةِ أَيْضَاَ قَوْلُ بَعْضِ الْعَصْرِيِّينَ: إِنَّ الْمُحَرَّمَ التَّصْوِيْرُ الْمَنْقُوشُ بِالْيَدِ، فَأَمَّا الْمَأْخُوذُ بِالآلَةِ الْفُوتُوغِرَافِيَّةِ فَلا!.
وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ مِنْ أَغْرَبِ الشُّبَهِ، وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى حَمَاقَةِ قَائِلِهَا، وَكَثَافَةِ جَهْلِهِ.
وَمِثْلُهَا لا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ، لِظُهُورِ بُطْلانِهَا لِكُلِّ عَاقِلٍ، فَضْلًا عَمَّنْ لَهُ أَدْنَى عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ. ولو قال قائل: إِنَّهُ لا يُحَرَّمُ مِنَ الْخَمْرِ إِلاَّ مَا اعْتُصِرَ بِالأَيْدِي فَقَطْ، فَأَمَّا مَا اعْتُصِرَ بِالآلاتِ الْمُعَدَّةِ لِلاعْتِصَارِ فَلا يُحَرَّمُ، وَإِنْ كَانَ أَشَدَّ إِسْكَارًَا مِمَّا اعْتُصِرَ بِالأَيْدِي، لَمَا كَان بَيْنَ قَوْلِهِ وَبَيْنَ قَوْلِ صَاحِبِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَرْقٌ، لأَنَّ كُلًا مِنْهُمَا قَدْ حَرَّمَ شَيْئًَا، وَأَبَاحَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ جِنْسِهِ وَمَا هُوَ أَوْلَى بِالتَّحْرِيْمِ، وَالْمَنْعِ مِمَّا حَرَّمَهُ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ قَرِيبًا أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيْمِ التَّصْوِيْرِ هِيَ الْمُضَاهَاةُ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تَشْمَلُ كُلَّ تَصْوِيْرٍ، سَوَاءَ كَانَ مَنْقُوشًا بِالأَيْدِي، أَوْ مَأْخُوذًا بِالآلَةِ الْفُوتُوغِرَافِيَّةِ.
وكلما كان التصوير أقرب إلى مشابهة الحيوانات فهو أشد تحريمًا لما فيه من مزيد المضاهاة بخلق الله تعالى.
ولا يخفى على عاقل أن التصوير الفوتوغرافية هو الذي يطابق صور الحيوانات غاية المطابقة بخلاف التصوير المنقوش بالأيدي، فإنه قد لا يطابقها من كل وجه، وعلى هذا فيكون التصوير بالآلة الفوتوغرافية أشد تَحْرِيْمًَا مِنَ التَّصْوِيرِ الْمَنْقُوشِ بِالأَيْدِي وَاللهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)