الصفحة 35 من 38

يلعبن معي، فكان رسول الله إذا دخل يتقمعن منه، فيسر بهن إليَّ، فيلعبن معي. رواه الشافعي وأحمد والشيخان وأهل السنن إلاَّ الترمذي. وَفِي رواية لمسلم: كنت ألعب بالبنات فِي بيته، وهن اللعب.

وعنها رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالت: قدم رسول الله من غزوة تبوك أو خيبر وَفِي سهوتها ستر فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال ما هذا يا عائشة قالت بناتي ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع فقال ما هذا الذي أرى وسطهن قالت فرس قال وما هذا الذي عليه قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة قالت فضحك حتى رأيت نواجذه رواه أبو داود والنسائي.

قال الحافظ ابن حجر فِي فتح الباري استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن.

قال وذهب بعضهم إلى منسوخ وإليه مال ابن بطال وحكى عن بن أبي زيد عن مالك أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور ومن ثم رجح الداودي أنه منسوخ وقال البيهقي بعد تخريجه ثبت النهي عن اتخاذ الصور فيحمل على أن الرخصة لعائشة فِي ذلك كان قبل التحريم وبه جزم ابن الجوزي وقال المنذري أن كانت اللعب كالصورة فهو قبل التحريم وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة وبهذا جزم الحليمي فقال إن كانت صورة كالوثن لم يجز وإلا جاز انتهى المقصود مما ذكره ابن حجر رحمه الله تعالى.

وأحسن هذه الأقوال وأقربها إلى الصواب قول المنذري والحليمي.

وأما ما جزم به عياض وغيره من جواز اتخاذ صور البنات وأن ذلك مخصوص من عموم النهي عن اتخاذ الصور فإنه قول مردود.

والجواب عنه من وجوه:

أحدها: أنه ليس فِي حديث عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تصريح بأن لعبها كانت صورًا حقيقة وبانتفاء التصريح بأنها كانت صورا حقيقة ينتفي الاستدلال بالحديث على جواز اتخاذ اللعب من الصور الحقيقة.

ومن ادعى أن لعب عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا كانت صورًا حقيقة فعلية إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إلى الدليل سبيلًا.

وأما تسمية اللعب بنات كما فِي حديث عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فلا يلزم منه إنها كانت صورًا حقيقة، كما قد يظن ذلك من قصر فهمه.

بل والظاهر والله أعلم: أنها كانت على نحو لعب بنات العرب فِي زماننا فإنهن يأخذن عودًا أو قصبة أو خرقة ملفوفة أو نحو ذلك فيضعن قريبًا من أعلاه عودا معترضًا ثم يلبسنه ثيابًا ويضعن على أعلاه نحو خمار المرأة وربما جعلته على هيئة الصبي فِي المهد ثم يلعبن بهذه اللعب ويسمينهن بنات لهن على وفق ما هو مروي عن عائشة وصواحباتها (.

وقد رأينا البنات يتوارثن اللعب بهذه اللعب اللاتي وصفنا زمانا بعد زمان ولا يبعد أن يكون هذا التوارث قديمًا ومستمرًا فِي بنات العرب من زمن الجاهلية إلى زماننا هذا والله أعلم.

وليس كل بنات العرب فِي زماننا يلعبن باللعب اللاتي وصفنا بل كثير منهن يلعبن بالصور الحقيقة من صور البنات وغير البنات من أنواع الحيوانات وهؤلاء هن اللاتي دخلت عليهن وعلى أهليهن المدنية الإفرنجية وكثرت مخالطتهم للإعاجم وأشباه الأعاجم.

وأما السالمات من أدناس المدنية الإفرنجية ومن مخالطة نساء الأعاجم وأشباه الأعاجم فهؤلاء لم يزلن على طريقة بنات العرب.

ولعبهن على ما وصفنا من قبل. وكما أن بين لعب هؤلاء ولعب أولئك بونا بعيدًا فِي الحقيقة والشكل الظاهر فكذلك الحكم فيهما مختلف أيضًا.

فأما اللعب اللاتي على ما وصفنا فلا بأس بعملهن واتخاذهن واللعب بهن لأنهن لسن بصور حقيقية. وأما اللعب اللاتي على صور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت