فهرس الكتاب
وإنا يعرف أن «ما» مع الفعل بمعنى المصدر أو بمعنى «الذي» أنها إذا كانت بمعنى المصدر لم تحتج إلى عائد يعود عليها من صلتها، وإنما هي بمنزلة «أن» مع الفعل، في قولك: «بلغني أن أخرج زيد» ونحوه، لأنها لا تحتاج إلى عائد يعود عليها من صلتها لأنها مع الفعل بتأويل المصدر، وإذا كانت «ما» بمعنى «الذي» لم يكن بد من عائد يعود عليها من صلتها، وذلك: إذا قلت: «بلغني ما صنعت» تريد: الذي صنعت، فثم هاء ساقطة، والتقدير: بلغني ما صنعته، وإذا قلت: «بلغني ما صنعت» تريد المصدر أي: بلغني صنيعك لم
تضمر هاء، فإن قلت: «فعلت ما فعل زيد» فمعناه كالذي فعل زيد، لأن فعلك لا يكون فعل غيرك.
والوجه التاسع: تكون «ما» كافة للعامل عن عمله، وذلك في «إنما، وكأنما، ولعلما، وربما» وما أشبه ذلك تقول: «إن زيدًا قائم» ، فتنصب «زيدًا» بـ «أن» وتدخل على الأسماء، ولا تدخل على الأفعال، فإن وصلتها بـ «ما» قلت: «إنما زيدٌ قائم» ، أبطلت «ما» عمل «إن» ، قال الله تعالى: {إنما الله إله واحد} ، وتقع على الأفعال، كقولك: «إنما يقوم زيد» ، قال الله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ، فلولا «ما» لم يصلح أن تدخل «إن» على الفعل، وقال الفرزدق:
أعد نظرًا يا عبد قيسٍ لَعَلمَّا = أضاءت لك النار الحمار المتقيدا
«ما» ها هنا كافة، كفت «لعل» عن العمل، ولو كانت بمعنى «الذي» لرفع «الحمار المقيد» على خبر «لعل» وقال آخر وهو سويد بن كراع:
تحلل وعالج ذات نفسك واعلمن = أبا جعلٍ، لعلما أنت حالم
استأنف «أنت» لما كفت «ما» «لعل» عن العمل، وقال المرار بن منقذ الأسدي:
أعلاقة أم الوليد بعد ما = أفنان رأسك كالثغام المخلس
«ما» ها هنا كافة كفت «بعد» عن الخفض فرفع «أفنانًا» بالابتداء، ولولا «ما» لم يجز الابتداء، وقال النابغة الذبياني:
قالت: ألا ليت ما هذا الحمام لنا = إلى حمامتنا أو نصفه فقد
من رفع «الحمام» جعل «ما» كافة للعامل، وهو «ليت» ، ومن نصب أعمل «ليت» وجعلت «ما» لغوًا.