فهرس الكتاب
وقال آخر:
بل ما عزاؤك من شمسٍ متوجةٍ = يكاد يهلك من تبدو له فرقًا
والشاعر إذا قال: «بل» لم يرد أن ما تكلم به قبل باطلٌ، وإنما يريد أنه قد تم، وأخذ في غيره
[الأزهية: 222]
كما تقول: «دع ذا» و «اترك ذا» وما أشبه ذلك، عند تمام ما تتكلم به والانتقال إلى غيره.
قال امرؤ القيس:
فدع ذا، وسل الهم عنك بجسرة = ذا مولٍ إذا صام النهار وهجرا
[الأزهية: 223]
باب
مواضع مِنْ
اعلم أن لها أربعة مواضع:
تكون لابتداء الغاية، كقول: «سرت من الكوفة» ، أعلمت أن ابتداء غاية سيرك كان من الكوفة، وكذلك إذا كتبت: «من فلانٍ إلا فلانٍ» فالمعنى أن ابتداء الكتاب من فلانٍ وانتهاءه إلى فلانٍ.
وتكون للتبعيض: كقولك: «أنفقت من الدراهم» و «أخذت من ماله» ، و «أكلت من الغريف» ، أي بعضه، و «زيدٌ من القوم» أي بعضهم، و «زيدٌ من البصرة» أي من أهل البصرة، وهو بعضهم، وكذلك: «ويحه من رجلٍ» ، إنما أراد أن يجعل التعجب من بعض الرجال.
وكذلك: «هو أفضل من زيدٍ» ، إنما أراد أن
[الأزهية: 224]
يفضله على زيد، ولا يعم، فجعله ابتداء فضله من زيدٍ ولم يعلم موضع الانتهاء.
فإن قلت: «ما أحسنه من رجلٍ» فـ «من» تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون لابتداء الغاية، كأنك بينت ابتداء فضله في الحسن ولم تذكر انتهاءه والوجه الثاني: أن تكون للتبعيض كأنك قلت: ما أحسنه من الرجال، إذا ميزوا رجلًا رجلًا فـ «رجل» واحدٌ في موضع جماعةٍ، فإن قلت «ما أحسنه من الرجال» فـ «من» للتبعيض لا غير.
والموضع الثالث: تكون «من» لتبيين الجنس، كقولك: «الثياب من الخز» ، و «الأبواب من الحديد» ، ومنه قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} ، أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان؛ لأن الرجس