فهرس الكتاب
هو أعم من الأوثان، لأنه قد يكون وثنًا وغير وثنٍ، وجميع ذلك يجب أن يُجتنب، فبين بـ «من» الرجس المراد ها هنا، وهو الرجس الذي هو الوثن.
[الأزهية: 225]
وأما قوله عز وجل: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان} ، فـ «من» تحتمل وجهين: أحدهما التبعيض، كأنه قيل: بعض عمل الشيطان، والآخر التبيين، كأنه قيل: رجس هو عمل الشيطان.
وأما قول سيبويه: «هذا باب علم ما الكلم من العربية» فإنها لتبيين الجنس لأن الكلم قد يكون عربيًا وعجميًا، فبين المراد، وهو العربية، كأنه قال: ما الكلم الذي هو العربية؟
والموضع الرابع: تكون «من» زائدة للتوكيد، كقولك: «هل من رجلٍ في الدار؟» ، و «هل من طعامٍ عندك؟» ، فـ «من» ها هنا زائدة للتوكيد، وموضع «من رجلٍ» و «من طعامٍ» رفع بالابتداء، كأنه قال: هل رجلٌ في الدار، وهل طعامٌ عندك، وكذلك قولهم: «ما جاءني من رجل» ، أي: رجل، «وما جاءني من أحدٍ» ، أي: ما جاءني أحد؛ لأن الفعل لابد له من فاعل، ومنه قوله تعالى: {ما أريد منهم من رزقٍ} ، و {ما لكم من إلهٍ غيره} ، وما من
[الأزهية: 226]
إله إلا الله.
قال الأنصاري:
فما حملت من ناقةٍ فوق رحلها = أبر وأوفى ذمة من محمد
فأما قوله عز وجل: {فكلوا مما أمسكن عليكم} فقد قال بعض النحويين: إن «من» ها هنا زائدة والمعنى: فكلوا ما أمسكن عليكم، وهذا غلطٌ عند سيبويه؛ لأن «من» إنما تزاد في غير الواجب خاصة، نحو النفي والاستفهام، وهي على مذهبه ها هنا للتبعيض، أي: كلوا منه اللحم دون الفرث والدم، فإنه محرم عليكم.
وأما قوله تعالى: {وينزل من السماء من جبالٍ فيها من برد} ، فإن سأل سائل فقال: قد ذكرت
[الأزهية: 227]
«من» في ثلاثة مواضع فما معناها في كل موضعٍ فالجواب: أن الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض على معنى أن الجبال بردٌ ينزل بعضها، وأما الثالثة فعلى وجهين: التبعيض والتبيين، أما التبعيض فعلى معنى ينزل بعض البرد، وأما التبيين فعلى معنى أن الجبال من بردٍ، كما تقول: «الثياب من خز» .