فهرس الكتاب
وأما قوله عز وجل: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خيرٍ من ربكم} ، فإن «من» الأولى لتبيين الجنس، والثانية زائدة للتوكيد، والثالثة لابتداء الغاية.
وأما قوله عز وجل: {يغفر لكم من ذنوبكم} ، فقال الكسائي وهشام وغيرهما: «من» في هذا الموضع زائدة للتوكيد، والمعنى: يغفر لكم ذنوبكم، قالوا: وهو بمنزلة قوله: {ولهم فيها من كل الثمرات} ، المعنى: ولهم فيها كل الثمرات، وقوله: قل للمؤمنين يغضوا من
[الأزهية: 228]
أبصارهم، والمعنى: يغضوا أبصارهم، وقوله: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا} ، قالوا: فـ «من» ها هنا ليست مبعضة، إنما المعنى: وعدهم الله كلهم مغفرة وأجرًا عظيمًا، فدخلت «من» ها هنا للتوكيد، وكقولك قوله: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} .
وقال الفراء: معنى قوله: {يغفر لكم من ذنوبكم} ، أي: يغفر لكم من أجل وقوع الذنب منكم، كما تقول: «قد اشتكيت من دواء شربته» ، أي: من أجل الدواء الذي شربته، وقال أبو إسحاق الزجاج: معناه: يغفر لكم ذنوبكم، ودخلت «من» لتختص الذنوب من سائر الأشياء، ولم تدخل لتبعيض الذنوب.
وأما ما جاء في الحديث: «إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» ، فإن تقديره: إن أشد
[الأزهية: 229]
الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، و «من» زائدة للتوكيد، كما تقول: «ما جاءني من أحدٍ» ، والمعنى: ما جاءني أحد.
واعلم أن «من» الزائدة للتوكيد لا تدخل على المعرفة، ولا تدخل في الإيجاب، لا تقول: «ما جاءني من عبد الله» ، لا تقول: «جاءني من رجلٍ» ، ولا «جاءني من الرجل» ، فأما قوله عز وجل: {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} ، فـ «من» ها هنا للتبعيض، والفاعل محذوف، والمعنى - والله أعلم: ولقد جاءك قصص من نبأ المرسلين، فاختصر لعلم المخاطب.
واعلم أنك إذا قلت: «ما جاءني من رجلٍ» فإن فيه فائدة، ومعنى زائدًا على قولك: «ما جاءني رجل» ، وذلك أنك إذا قلت: «ما جاءني رجل» احتمل أن يكون نافيًا لرجلٍ واحدٍ، وقد جاءك أكثر من رجلٍ واحدٍ، واحتمل أن يكون نافيًا لجميع جنس الرجال، وإذا أدخلت «من» فقلت: «ما جاءني من رجلٍ» كنت نافيًا لجميع الجنس، فـ «من» ها هنا توجب استغراق الجنس، وكذلك ما أشبهه.
[الأزهية: 230]