فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 150

وقال في يونس: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودًا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء} ، فقدم الأرض، لأنه صدر الآية بذكر أهل الأرض، ومن أمعن النظر، وجد لكل تقديم وتأخير في القرآن مقتضيًا مناسبًا، ولابن الدهان في ذلك كتاب كبير حسن، وفيما ذكرناه تنبيه على ما أهملناه.

النوع الثالث عشر: في التخلص والاقتضاب:

أما التخلص: فهو الانفصال من شيء إلى غيره، والمراد به هنا: خروج المتكلم من

[الإكسير في علم التفسير: 248]

معنى إلى غيره بغتة، كقول المتنبي يصف وقوفه بالربع، وما يجده من الألم ساعة الوداع:

وقفنا به والبين فينا كأنه = قنا ابن الهيجاء في صدر فيلق

وكقوله:

فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى = ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا

كقوله يصف الزمان بأنه لا ينزل سرورًا إلا ضمنه ضده وقابله به:

حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤ = يته المنى وهي المقام الهائل

ولو سمي مثل هذا (البهت) ، لكون السامع يبهت له، لكان اسمًا مناسبًا، وكذا كتب اسمه قبل أن أعلم له اسم التخلص.

وهو من الناظم دليل براعته، وتمكنه في صناعته، بخلاف الناثر، إذ هو مطلق العنان، فلا يشق ذلك عليه.

ومن أمثلة التخلص قول علي بن الجهم:

وليلة كحلت بالسهد مقلتها = ألقت قناع الدجى في كل أخدود

قد كاد يغرقني أمواج ظلمتها = لولا اقتباس سنًا من وجه داود

[الإكسير في علم التفسير: 249]

وقول ابن نباتة الشاعر:

كأن الشموع وقد أطلعت = من النار في كل رأس لسانا

أنامل أعدائك الخائفين = تضرع تطلب منك الأمانا

وقول إسحاق بن إبراهيم الموصلي:

وصافية تعشي العيون بنورها = رهينة عام في الدنان وعام

أدرنا بها الكأس الروية بيننا = من الليل حتى انجاب كل الظلام

فما ذر قرن الشمس حتى رأيتنا = من العي نحكي أحمد بن هشام

ويحكى أن أحمد بن هشام هذا عاتب إسحاق، فقال: ما لي ولك يا إسحاق حتى تهجوني، فقال له: لا شيء إلا أنك جلست على طريق القافية.

وقول البحتري:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت