فهرس الكتاب
ومنه قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا * لنحيي به بلدة ميتًا ونسقيه مما خلقنا أنعامًا وأناسي كثيرًا} ، فقدم إحياء الأرض، لأنه سبب حياة الأنعام والناس، وقدم إحياء الأنعام؛ لأنه مما تحيا به الناس بأكل لحومها وألبانها.
ومنه تقديم الأعجب فالأعجب: {فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين * ومنهم من يمشي على أربع} ولو العكس، لكان من تقديم الأكثر فالأكثر، كقوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد * ومنهم سابق بالخيرات} ، فهذه الأصناف من الناس في الكثرة والقلة على هذا الترتيب.
[الإكسير في علم التفسير: 246]
ولو عكس، لكان من باب تقديم الأفضل فالأفضل، وهم في الأفضلية على هذا الترتيب.
وعلى هذا، فمتى تفاوت الشيئان فصاعدًا في وصفين، فلك تقديم أيهما شئت باعتبار رجحانه في وصفه، لاستوائهما يكون كل منهما راجحًا من وجه، مرجوحًا من وجه، نعم إن كان تقديم أحدهما أنسب لسياق الكلام ومطلعه، كان تقديمه أولى، فمن ذلك آية النور، تقديم الأعجب فالأعجب فيها أنسب لما قبله من سياق الكلام ألا ترى أنه تعالى ذكر عجائب مصنوعاته تنبيهًا على قدرته بقوله تعالى: {ألم تر أن الله يزجي سحابًا} ، ثم ذكر العجائب العلوية من: برد، وبرق، ومطر، وغير ذلك، ثم ذكر الدواب، فكان المناسب تقديمه ما ذكر.
ومنه آية الملائكة، فإنها سيقت لبيان استحقاقه الحمد، وتذكير العباد نعمه عليهم وتحذيرهم من متابعة الشيطان، وإنكار كلمهم، وكفرهم عليهم، ثم عقب ذلك بذكر المخلوقات الكثيرة بقوله: {فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها * ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك} ، فناسب ذلك تقديم الظالم والمقتصد المفضوليين، وتقديم الأكثر فالأكثر.
ومنه قوله تعالى: {لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء * يهب لمن يشاء إناثًا * ويهب لمن يشاء الذكور} ، فقدم الآيات، وإن كان من حقهن التأخير، لأن هذه الآية ذكرت في سياق قوله: {وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} ، فذمهم على الفرح بالرحمة والتبرم بالسيئة، ثم أشار إلى أنه المالك الحقيقي المطلق، وأنه تعالى: {فعال لما يريد} ، سواء أساءهم أو أفرحهم وأن ذلك ليس بنافعهم، وكأن خلق الآيات مما
[الإكسير في علم التفسير: 247]
يسوءهم، كما أخبر عنهم بقوله: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم} ، فقد ذكرهن، تنبيهًا على أنه قادر، ولما يشاء فاعل، وأن إرادتهم لا تأثير لها، ثم لما أخر الذكور، ومن حقهم التقديم، تدارك أمرهم بجبر نقصهم، فعرفهم، لأن التعريف أفضل من التنكير، تنبيهًا على أن تقديم الإناث للعارض المذكور، لا لاستحقاقهن التقديم، فلما رجح المرجوح من جهة جبر الراجح من جهة، ثم أعطى بعد ذلك كل ذي حق حقه لزوال المانع بقوله: {أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا} ، ثم قد علمت أنه في هذه الآية قدم ذكر السموات على الأرض، لأن ملك السماء أعظم، فتقديمه أدل على العظمة، والقدرة، والملكة.
وكذلك قدمها في سورة سبأ في قوله: {عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض} ، لأن معلومات السماء أدق وأكثر، وهو أبلغ في الدلالة على كمال العلم.