فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 150

والثاني: ما عداه، كقوله تعالى، بعد ذكر جماعة من الأنبياء عليهم الصلاة السلام: {هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب} ، إلى أن فرغ من صفة أهل الجنة، ثم قال: {هذا وإن للطاغين لشر مآب} ، وهذا كما تحدث صاحبك، ثم تقول له، هذا مضى، وأما كذا وكذا، وتسوق له الحديث.

وقد ذهب أبو العلاء محمد بن غانم الغانمي إلى أن القرآن خالٍ من الاقتضاب والتخلص، وهو باطل.

أما في الاقتضاب، فلما ذكرنا من وقوعه، وهو فيه كثير جدًا.

وأما في التخلص، فلما نذكره، وهو قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم لقومه: فإنهم عدو لي إلا

[الإكسير في علم التفسير: 252]

رب العالمين * الذي خلقني إلى قوله: {يوم الدين} ، ثم تخلص إلى دعائه بقوله: {رب هب لي حكمًا وألحقني بالصالحين} إلى قوله: {يوم يبعثون} ، ثم تخلص إلى وعظهم وتحذيرهم شدة ذلك اليوم بقوله: {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} .

ثم إن القرآن مشتمل على أمر ونهي، وخبر، ووعد، ووعيد، وتراه يذكر بعض هذه الأنواع بعد بعض، ويخرج من بعضها إلى بعض وذلك إما بتخلص، أو اقتضاب، وأيًاما كان بطل قول الغانمي، وما أظنه كان حين قال هذا القول إلا نائمًا، والله أعلم.

النوع الرابع عشر: في المبادئ والافتتاحات

وأعلى مراتب هذا النوع وأحسنها، تضمين الكلام، نظمًا أو نثرًا، المعنى المقصود به، كما يفعله الشيخ أبو لفرج ابن الجوزي في خطب كتبه، وكما حكي: أن ناقة على عهد المأمون ولدت شخص آدمي، فأمر بعض كتابه أن يكتب بذلك إلى البلاد فكتب: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام، وذلك لأن افتتاح الكلام أول ما يقرع السمع، فإذا كان حسنًا، توفرت الدواعي على سماع تمامه، وإلا أحجمت ومجته الأسماع، ولا يقع منها موقعًا، ولا يجد في النفوس موضعًا.

وقد افتتح الله تعالى بعض سور كتابه بالحروف المقطعة، ليقرع أسماع الكفار شيء بديع لم يعتادوه، فينصتوا لما بعده، فينبغي للشاعر إن كان مادحًا أن يفتتح شعره إما بنفس المدح كقوله:

[الإكسير في علم التفسير: 253]

صعود العلا إلا عليك حرام

وقوله:

بنانك من مغدودق المزن أهطل

أو شيء من الحكمة، نحو:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

أو يتغزل إما بأسماء الأماكن الرائعة، كالغوير، والعقيق، وزرود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت