فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 150

فأنكر عليه الفضل ذلك، وتطير به فلما بلغ قوله:

سلام على الدنيا إذا ما فقدتم = بني برمك من رائحين وغاد

استحكم تطير الفضل، ويقال: إنه لم يمض بعد ذلك أسبوع واحد حتى أصيبوا.

وعندي، أن العتب مختص بافتتاحه القصيدة بربع البلى والخشوع، أما البيت الثاني، وهو وإن كان مما يتطير منه إلا أن له ولنظائره وجهًا حسنًا، وهو بيان تأثير وجود الممدوح طردًا وعكسًا، فاعرفه.

وكافتتاح قصيدته التي مدح بها الأمين بقوله:

يا دار ما فعلت بك الأيام = لم تبق فيك بشاشة تستام

وهي من أجود شعره، واجتهد أبو تمام مع تقدمه في صناعة الشعر على أن يأتي بمثلها، فلم يستطع، ولكن شانها قبح افتتاحها.

وكافتتاح إسحاق بن إبراهيم الموصلي قصيدته التي أنشدها المعتصم يمدحه فيها، ويهنئه بإتمام القصر الذي بناه بالميدان، بقوله:

يا دار غيرك البلى، ومحاك = يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟

[الإكسير في علم التفسير: 256]

فتطير المعتصم من ذلك، وتغامز الحاضرون على إسحاق، وتعجبوا كيف فاته ذلك، مع معرفته وطول خدمته للملوك، ويقال: إنهم لما فصلوا عن ذلك المجلس لم يعد إليه منهم اثنان، بل خرج المعتصم إلى (سُر من رأى) ، وخرب القصر، وقد كان اللائق بإسحاق أن يقول كما قال الخريمي:

ألا يا دار دام لك السرور = وساعدك النضارة والحبور

أو كما قال أشجع:

قصر عليه تحية وسلام = ألقت عليه جمالها الأيام

أو كما قال ابن التعاويذي:

أحق دار وأولى أن نهيئها = دار على السعد قد شيدت مبانيها

وهذا أحسن الافتتاحات في هذا المعنى.

وقد أنكر ابن الأثير على ذي الرمة افتتاحه قصيدته البائية بقوله:

ما بال عينيك منها الماء ينسكب؟

قال: لأن مقابلة الممدوح بمثل ذلك قبيح، وهذا وهم، لأن هذه القصيدة ليس فيها مدح أحد، وإنما تضمنت شرح حاله في عشق مية، ونحو ذلك، فهي كقول امرئ القيس:

قفا نبك

[الإكسير في علم التفسير: 257]

وقول الأعشى:

ودع هريرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت