فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 150

أحدهما: أن المعنى بالتكرار آكد وأدل على ضراعتهم وصدقهم في السؤال، وإخلاصهم كقول القائل: (أيها الملك بك أستجير وبك أنتصر) فإنه أبلغ فيما ذكرناه من حذف الباء في الثاني، فكذلك (إياك نعبد، ونستعين) مع الصيغة الثانية الواردة.

الثاني: أن القرآن في غاية البلاغة، والكلام البليغ يراعى فيه أحوال المعنى والعبارة جميعًا، وقد روعي المعنى هاهنا، كما ذكرنا.

وأما العبارة فمن أحوالها المراعاة بعديلها، ولا شك أن (إياك نعبد وإياك نستعين) أعدل مما لو حذفت إياك الثانية، لأن هذا الكلام جملتان، كل واحدة منهما مركبة من فعل وفاعل ومفعول وهو إياك، فلو حذفت من الثانية لنقصت عن الأولى جزءا وزال الاعتدال والتناسب، والله أعلم.

ومنه قوله تعالى: {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق} . فالمراد بتحقيق الحق أولًا تصديق وعده لهم بإحدى الطائفتين، ولهذا قال (بكلماته) أي تصديقًا لما سبق من كلماته التي وعد بها.

وتحقيق الحق ثانيًا إظهار الدين واستعلائه باستئصال الكفار، وكسر شوكتهم.

ومنه قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام: إني لكم رسول أمين فاتقوا الله

[الإكسير في علم التفسير: 270]

وأطيعون

ثم قال: {إن أجري إلا على رب العالمين. فاتقوا الله وأطيعون} . فكرر أمرهم بالتقوى والطاعة؛ تأكيدًا، وعلقه بشيئين، أحدهما: كونه أمينًا لا يتهم فيجب امتثال ما يأمر به، والثاني: كونه لا يسألهم عليه أجرًا فيتهم فيهم لأجله، فيجب أيضًا عليهم ذلك.

ومنه قوله تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد} إلى قوله: {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} فكرر الإخبار بتكذيبهم؛ لاختلاف أسلوب الكلام؛ لأنه ذكر تكذيبهم أولًا بجملة خبرية، وثانيًا بجملة استثنائية، وأيضًا فإنه أجمل تكذيبهم أولًا، فأجمل أن كل فريق منهم كذب كل الرسل، أو رسولهم الخاص ونبيه.

ثانيًا: أن كلًا منهم كذب جميع الرسل، لأن ما جاءت به الرسل واحد، فمن كذب واحدًا منهم كذب الرسل أجمعين.

ومنه قوله تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين} وقوله: {قل الله أعبد مخلصًا له ديني} . فالأول أمر له بالإخبار، بأنه مأمور بإخلاص العبادة، والثاني أمر له بالإخبار بإخلاص العبادة، وتخصيص الله تعالى بها، ولهذا قدم الفعل: وهو (أعبد) لأنه المأمور به، وأخره ثانيًا، وقدم الله تعالى؛ لأنه المخصوص بالعبادة.

ومنه قوله تعالى: {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد} يعني في المستقبل ما

[الإكسير في علم التفسير: 271]

تعبدون من آلهتكم {ولا أنتم عابدون} في المستقبل {ما أعبد} ويكون هذا إخبارًا لهم بدوامهم على الكفر مثل: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} .

فإن قلت: فقد أخبر بهذا من أسلم بعد ذلك، فما صح الإخبار، فلا يكون هذا إخبارًا كما ذكرت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت