فهرس الكتاب
قلت: هذه الدعوى تحتاج إلى نقل، ونحن نمنعه، والأصل عدمه، ولئن ثبت، كان ذلك تخصيصًا، وتبين أن المراد بالإخبار من لم يسلم كقوله: (ولن تفعلوا) فإن السؤال وارد فيها أيضًا، ثم قال: (ولا أنا عابد) في الحال (ما عبدتم) ، (ولا أنتم عابدون) في الحال (ما أعبد) حالًا واستقبالًا، ويكون هذا إخبارًا له باستمراره على عبادة الله تعالى، فحاصل هذا: قل لهم: أي لا أوافقكم ولا توافقونني لا حالا ولا استقبالًا وهو قريب من معنى قوله: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم} .
وقال ابن الأثير: (ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد) معناه: لم نعهد منكم في الماضي عبادة ما أنا عابده الآن، ولا متى في الماضي عبادة ما أنتم عابدون الآن، فكيف أعبد في الإسلام شيئًا لم أعبده في الجاهلية، وهذا قريب يحتمل، لأن دلالة اللفظ قاصرة عنه لوجهين:
أحدهما: أنه قال: (ولا أنا عابد ولا أنتم عابدون) ، ولم يقل: ما كنت عابدًا ولا كنتم عابدين، فلا يفيد المضي صيغة أو قرينة ولا واحد منهما.
الثاني: أن اسم الفاعل، وهو عابد وعابدون أظهر في الدلالة على الحال منه على المضي خصوصًا وهو منون.
[الإكسير في علم التفسير: 272]
ومن هذا الفرع تكرير قوله تعالى: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} في سورة الشعراء مرارًا؛ إذ اللفظ ومعناه فيهن متحد، والمقصود متعدد: إهلاك كل واحد من تلك القرون، آية للكفار غير الآية الحاصلة بإهلاك الفريق الآخر.
الفرع الثاني: وهو أن يراد بالمكرر معنى واحد لغرض واحد. فمنه قوله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم} . {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا أنكم مخرجون} .
وهذا يحسن عند طول الفصل بين المكررين؛ تطرية لسمع السامع مع التأكيد، وهو في السنة واقع كثيرًا.
ومنه: {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين}
قال ابن الأثير: فتكرير (من قبله) يدل على بعد عهدهم بالمطر وتطاوله فاشتد لذلك بأسهم، فكان استبشارهم بالمطر على قدر اغتمامهم لانقطاعه.
قلت: هذا الذي ذكره لا شك أنه مستفاد من الكلام، لا من تكرير لفظ القبلية فإنه لا يفيده البتة، بل هو من قرينة الاستبشار والإبلاس، لأن الناس إنما يستبشرون غالبًا بقدوم ما طالت غيبته، ولا يبلسون وييأسون إلا من مثل ذلك.
فيقال: استبشر زيد بقدوم أخيه من مكة، ونحوها، ولا يقولون: استبشر بقدومه من المسجد أو السوق، وييأس منه إذا طالت غيبته، لا إذا قصرت، ولهذا إذا مرت على المفقود لغيبة ليس ظاهرها الهلاك، تسعون سنة، قسم ميراثه ونكحت امرأته، للإياس منه، ولا يجوز قبل ذلك.
[الإكسير في علم التفسير: 273]
والذي عندي في تكرار لفظة القبلية، أن فائدته تحقيق إبلاسهم وإياسهم من المطر في تلك المدة، وذلك الزمان، أعني: الذي هو قبل نزول الغيث، والله أعلم.