فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 150

ومنه قول مؤمن من آل فرعون: {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع} ... {ويا قوم ما لي أدعوكم} فكرر ندائهم ومعناه واحد لغرض واحد؛ وهو تنبيههم عن سنة الغفلة، والحرص على نجاتهم بهدايتهم، وإنما أضافهم إلى نفسه إشارة إلى أنكم مني وأنا منكم، فلست بمتهم فيكم، بل لا أريد لكم إلا خيرًا، وإلا ما أريد لنفسي.

ومنه تكرار قوله تعالى: {فذوقوا عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} في مواضع من سورة القمر.

وفائدته: الإعذار إلى الكفار بتنبيههم وتحذيرهم عند فناء كل قرن من القرون الماضية، وأن القرآن نزل ميسرًا للذكر، فلا عذر لمن بلغه فلم يدكر، إذ لا يهلك على الله إلا هالك.

ومنه تكرير: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} : في سورة الرحمن، والخطاب به للثقلين، ولا يقدح في هذا كون الخطاب المذكور سابقًا على ذكر الثقلين في قوله تعالى: {والحب ذو العصف والريحان * فبأي آلاء ربكما تكذبان} لأنه لما ذكرهما بعده، صارا كالمتقدمين عليه ... وأيضًا فإن أحدهما قد قدم ظاهرًا وهو الإنسان والأنام، فناب منابهما، كما يسمى الكل باسم الجزء.

وفائدته: إعلامهم بتأكيد استحقاقه لعبادتهم بتذكره إياهم نعمه عليهم عند كل فرد من أفرادها، كما يقول الرجل لعبده(ألم أكسك؟ ألم أزوجك؟ ألم أرحك من التعب؟ فبأي نعمي تكذب؟ ألم أفتدك من الجناية الفلانية؟ ألم أعطك الضيعة

[الإكسير في علم التفسير: 274]

الفلانية؟) ويعدد نعمه عليه، ثم يقول: فبأي آلاء تكذب؟ ومعنى هذا الكلام وقوته أنك لا تستطيع تكذيب شيء من ذلك؛ لوضوحه وظهوره، كما يركب أحد المتناظرين دليلًا من مقدمتين قطعيتين، ثم يقول لخصمه، أي المقدمتين تمنع؟ أي: لا يمكنك منع واحدة منهما.

ثم اعلم أن صدر هذه السورة اشتمل على ذكر النعم الدنيوية، كخلق الإنسان، وتعلمه البيان، وخلق الشمس والقمر بحسبان، والنجم: وهو ما لا ساق له من النبات، والشجر: وهو ما له ساق، والنعمة فيهما ظاهرة، ورفع السماء ووضع الميزان؛ للتناصف، وأمن المظالم، ووضع الأرض فيها الفاكهة، والنخل، والحب ذو العصف: يعني الورق والتين؛ تنبيهًا على أن فيه منفعة لكم ولدوابكم، والريحان: وهو المعروف، أو كل نبت طيب الريح، وخلق الإنسان والجان، ووجه النعمة فيه عليهما استمتاع بعضهم ببعض، كما ذكر في الأنعام. وخلق المشرقين والمغربين؛ مجالًا للشمس والقمر والنجوم، ليتقوم بهن نظام العالم، ومرج البحرين: العذب والملح، لينتفع من كل منهما بما جعل له من استخراج الجواهر، وشرب الماء، وأكل الحيتان، ونحو ذلك. وإجراء المراكب في البحور؛ لقيام معايش الخلق، مع ما تضمن بذكرهم بهذه النعمة، من التنبيه على عظيم قدرته التي يستحق بها منهم العبادة والتوحيد، فخلق الإنسان والجان العظيمين من عنصرين مشاهدين هما: الطين والنار، على وجه لا يتأتى لغيره تعالى، ونحو ذلك.

ومن هاهنا إلى آخر السورة اشتمل على ذكر أحكام الآخرة من: الموت والبعث، والنار والجنة، كأنه قال: قد ذكرتكم بآلائي عليكم، ونعمائي التي أسديتها إليكم، ثم إني بعد ذلك متوفيكم وباعثكم، فمن كان قابل آلائي بالكفر، أدخلته النار، وهذا حاصل المراد بقوله: {كل من عليها فان} إلى قوله: {يطوفون بينها وبين حميم آن * فبأي آلاء ربكما تكذبان}

[الإكسير في علم التفسير: 275]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت