فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 150

فإن قلت: ما وجه النعمة عليهم في موتهم وبعثهم وإحضارهم أهوال الموقف وعدم استطاعتهم النفوذ من أقطار السموات والأرض، وإرسال شواظ من نار ونحاس، وأخذ المجرمين بالنواصي والأقدام، ونحو ذلك مما ذكر، حتى يقررهم بها عقيب ذلك؟

قلت: ليست النعمة في نفس وقوع هذه الأشياء، بل في إخباره تعالى إياهم بوقوعها، ليأخذوا حذرهم منها بالطاعة، ولا خفاء أن تحذير الإنسان مما يضره من أجل النعم عليه؛ لأن النعمة إما: إيصال نفع أو دفع ضرر، والثاني أبلغ من الأول، لأن الإنسان يصبر على عدم النفع ولا يصبر على وجود الضرر، كما يصبر على أكل العسل، ولا يصبر تجريع سم أو رصاص مذاب، أو جلد مائة سوط، والله أعلم.

ومن كان قابلها بالتوحيد والعبادة، أدخلته الجنة، وهذا حاصل قوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} إلى آخر السورة، وكل فرد من أفراد الجملة يتضمن نعمتين: وقوعه إذا وقع، والترغيب فيه قبل وقوعه.

فإن قلت: الخطاب والتذكير للثقلين وهو عام فيهم: مؤمنًا وكافرًا، والكافر في الآخرة يصير إلى العذاب الدائم، ويتبين أن ما كان فيه في الدنيا مما يخال نعمة، كان استدراجًا، وسببًا من أسباب النقمة، وحينئذ لا نعمة عليه في دنيا ولا أخرى؛ إذ النعمة هي: النفع السالم العاقبة من شوائب الأكدار.

قلت: الجواب من وجهين:

أحدهما: لا نسلم أن من شرط النعمة سلامة العاقبة، لأن اشتقاقها يؤول إلى النعومة التي هي ضد الخشونة، وهذا المعنى موجود بدون الشرط المذكور.

والثاني: لو لم يكن للعامة إلا إظهار الآيات والمعجزات على أيدي الأنبياء وتحذيرهم من شرور الآخرة، وترغيبهم في سرورها، لكان ذلك كافيًا في استحقاقه

[الإكسير في علم التفسير: 276]

العبادة منهم، وتوبيخهم على تركها، فإن ذلك نصيحة، والناصح منعم يجب شكره، وإن لم يقبل المنصوح له، والله أعلم.

وإنما أطلت الكلام في هذه السورة، لأني رأيت كثيرًا من الناس يستشكل كثيرًا منها.

ومنه: تكرير قوله تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين} في سورة المرسلات.

وفائدته: تحقيق وقوع الويل بهم، وتأكده، تحذيرًا من التكذيب وتنفيرًا منه أو زجرًا.

ومن هذا القبيل تكرير الفعل تحقيرًا لشأن المفعول أو تعظيمًا له:

مثال الأول: {من أي شيء خلقه * من نطفة خلقه} .

{مم خلق * خلق من ماءٍ دافقٍ} إشارة إلى حقارة ما خلق منه الإنسان.

ومثال الثاني: ألا تنظرون إلى فلان من قتل؟ قتل السلطان. أو بمن تزوج؟ تزوج ابنة الملك.

وقد يأتي لتعظيم الفاعل نحو: {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق} والله أعلم.

وأما غير المفيد من هذا القسم وهو ما لا يفيد تأكيدًا ولا تحقيقًا، كقول أبي الطيب:

[الإكسير في علم التفسير: 277]

ولم أرَ مثل جيراني ومثلي = لمثلي عند مثلهم مقام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت