فهرس الكتاب
أحدهما: مقابلة الشيء بما يقاربه ويناسبه، كقوله:
يجزون من أهل ظلم مغفرة = ومن إساءة أهل السوء إحسانا
قابلي الظلم بالمغفرة، وليست ضده ولا مثله، لكنها قريبة من العدل والإنصاف الذي هو ضد الظلم.
الثاني: مقابلته بما يبعد عنه، كقوله:
أم هل ظعائن بالعلياء رافعة = وإن تكامل فيها الدل والشنب
والدل: الشكل، والشنب: من أوصاف الإنسان، ولا مناسبة بينهما، وإن كانت فبعيدة.
ومما يناسب ذكره هنا، بيان وجه اختصاص فواصل النثر، وأعجاز النظم بحالها منه، ويجب أن يكون ذلك على وفق مقتضى المناسبة.
أما في كتاب الله تعالى، فذلك لازم، ولنضرب له أمثلة:
منها قوله تعالى في آخر آية الدين: {ويعلمكم الله والله بكل سيء عليم} .
إنما فصلها بذكر العلم، لأنه بين في الآية أحكام الدين والتجارة والإشهاد في البيع وغير ذلك.
وأيضًا فإنها خاتمة أحكام السورة، وقد نص فيها علومًا كثيرة، فلما انتهى ذلك، أمرهم بتقواه، والتزام ما حد لهم، ثم كأنه عرض لهم بالامتنان عليهم بالتعلم، ثم أخبرهم (بأنه بكل شيء عليم) ، ليكونوا على ثقة مما علمهم؛ لكمال علمه؛ لأن
[الإكسير في علم التفسير: 287]
المتعلم أوثق بكلام العالم المتقن، منه بكلام من لا يعلم إتقانه، وإحاطته بالعلم، ثم شرع في ذكر الدين، إلى أن قال: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} لما كان كتمان الشهادة أمرًا خفيًا لاختصاصه بالقلب، وهذا خص بإسناده الإثم إليه، فربما طمع طامع في كتمان الشهادة لخفائها، قال الله تعالى: {والله بكل شيء عليم} ثم عقبه بمثله، وهو قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} إشارة إلى أنه تعالى يعلم خفي الأمور وظاهرها، فيعاقب على السيء منها، ويثيب على الحسن، فاتقوا الله، ولا تطمعوا في كان الشهادة لخفائها، فإنه لا يخفى علي شيء.
ثم لما قال في آخر الآية الأخرى: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ختمها بقوله: {والله على كل شيء قدير} أي لا يعجزه من أراد تعذيبه لكمال قدرته، فتحققوا من ذلك وارتدعوا.
وكذا قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} لما تضمن هذا الكلام لطف القدرة في إحياء الأرض بإنزال الماء، واستدعاء تلك الخضرة بأن فيها نفعًا للناس ولطفًا بهم، ختمها بما يناسب ما تضمنته، فقال: {إن الله لطيف خبير} ثم قال: {له ما في السموات وما في الأرض} ، فتضمن هذا الكلام اختصاصه بذلك، ثم قال: {وإن الله لهو الغني} لمناسبته مضمون الكلام، ثم لما كان لا يلزم أن يكون كل غني حميدًا، لجواز بخله، بين تعالى أنه متصف بالجود الموجب للحمد، فقال: {الحميد} .
ثم قال: ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره
[الإكسير في علم التفسير: 288]