فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 150

ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، فتضمن ذلك رأفة للناس ورحمة؛ إما جلب نفع: كتسخير البحر في الفلك، أو دفع ضرر: كإمساك السماء أن تقع عليهم، فصلها بذلك فقال: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} .

وجميع فواصل القرآن مناسبة لما وليته منه، وليقس على ما ذكرناه ما لم نذكره.

وأما في النظم فيختلف ذلك باختلاف قوى الناظمين وبراعتهم، فمنهم من تضعف مادته، فيحبط، ومنهم من يبرع فيجيد، والحديث عنه ضربان:

أحدهما: مدرك بادئ الرأي سريعًا؛ لظهوره.

والثاني: ما لا يدرك إلا بنظر، وربما احتاج إلى توقيف، كما أنكر على امرئ القيس قوله:

كأني لم أركب جوادًا للذة = ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال

ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل = لخيلي كري كرة بعد إجفال

فقيل: إن بيتيه لم يلتئم شطراهما، وكان ينبغي أن يكون الشطر الأخير من كل من البيتين على الشطر الأول هكذا:

كأني لم أركب جوادًا ولم أقل = لخيلي كري كرة بعد إجفال

ولم أسبأ الزق الروي للذة = ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال

لأن الركوب بالغارة أنسب منه، بتبطن الكاعب، ولأن سبأ الزق بتبطن الكاعب أنسب منه بكر الخيل للغارة.

وأجيب عنه: بأنه قرن بين لذة النساء، ولذة الركوب للصيد، فجمع لذتين في

[الإكسير في علم التفسير: 289]

بيت لتناسبهما، ثم قرن السماحة بسباء الخمر للأضياف، بالشجاعة عند منازلة الأعداء، وهما مما كانوا يفخرون بالجمع بينهما، أعني الكرم والشجاعة.

وهذا جواب أبي الطيب المتنبي لسيف الدولة حين قال له، وقد انتقدت عليك هذين البيتين. يعني قول المتنبي فيه:

وقفت وما في الموت شك لواقف = كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة = ووجهك وضاح وثغرك باسم

كما انتقد على امرئ القيس بيتاه، وذكرهما، فأجاب المتنبي عن بيتي امرئ القيس بما ذكر، وعن بيتي نفسه بأن قال:

لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول، أتبعته بذكر الردى في آخره، ليكون أحسن طباقًا، ولما كان وجه الجريح المنهزم عبوسًا، وعينه باكية، قلت: ووجهك وضاح وثغرك باسم، لأجمع بين الأضداد في المعنى، فأعجب ذلك سيف الدولة.

الضرب الثاني: في التفسير.

وهو: تبين الأقسام المجملة تفصيلًا، ثم إن كان على الترتيب، فهو الجيد، وإلا فهو الرديء.

مثال الأول: قوله تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} .

[الإكسير في علم التفسير: 290]

ومن رحمته: {جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله}

وكقوله تعالى: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع}

قابل كلًا من الأعمى والأصم بضده، وبدأ بالأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت