فهرس الكتاب
وقول الشاعر:
غيث وليث، فغيث حين تسأله = عرفًا، وليث لدى الهيجاء ضرغام
تحيا الأنام به في الجدب إن قحطوا = جودًا ويشقى به يوم الوغى الهام
فرتب في البيتين.
وقول الآخر:
يوم المتيم فيك حول كامل = يتعاقب الفصلان فيه إذا أتى
ما بين نار هوىً وماءٍ مدامع = إن حن صاف، وإن بكى وجدًا شتا
فسر نصف البيت الأخير على ترتيب نصفه الأول.
مثال الثاني قول بعضهم:
شكوت فقالت: كل هذا تبرم = بحبي أراح الله قلبك من حبي
فلما كتمت الحب قالت لشد ما = صبرت، وما هذا بفعل شجي القلب
وأدنو فتقصيني، فأبعد طالبًا = رضاها فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها، وصبري يسوءها = وتجزع من بعدي، وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها؟ = أعينوا بها واستوجبوا الأجر من ربي
[الإكسير في علم التفسير: 291]
ووجه رداءته: أنه فسر قوله: وأدنو فتقصيني. وأبعد طالبًا رضاها بقوله: وتجزع من بعدي، وتنفر من قربي، وليس بمرتب، إذ لو رتب لقال: وتنفر من قربي، وتجزع من بعدي، ولعله إنما منعه من الترتيب حكم القافية، والناظم تسامح.
وجعل ابن الأثير هذا الشعر من أحسن ما في هذا القسم الأول، أعني: المرتب، والظاهر أنه لم يتنبه لما ذكرته.
وقول الفرزدق:
لقد خنت قوما لو لجأت إليهم = طريد دم أو حاملًا ثقل مغرم
لألفيت منهم معطيًا أو مطاعنًا = وراءك شزرًا بالوشيج المقوم
وكان الأليق أن يقدم مطاعنًا، لأنه تفسير طريد ذم، وأن يؤخر معطيًا، لأنه تفسير حاملًا ثقل مغرم.
وكقوله أيضا:
كيف أسلو؟ وأنت حقف وغصن = وغزال: لحظًا وردفًا وقدًا
وكان الأليق أن يقول: ردفًا، وقدًا، ولحظًا، والظاهر إنه إنما أخل به لحكم القافية. والناظم في هذا أعذر من الناثر.
فأما قول الشاعر:
فيا أيها الحيران في ظلمة الدجى = ومن خاف أن يلقاه بغي من العدا
تعال إليه تلق من نور وجهه = ضياءً ومن كفيه بحرًا من الندى
وهذا صحيح الترتيب، فأنشد التفسير عكس ما قبله، إذ كان ينبغي أن يجعل بإزاء
[الإكسير في علم التفسير: 292]