فهرس الكتاب
وزعم أبو هلال: أن هذا ليس بتقسيم صحيح، لأن إتيان الرسائل داخل في جملة الوصل، ولعله حمل لفظ وصلتك على أنه من الوصال، والظاهر أنه من الوصول، أي وصلت إليك بنفسي وحينئذٍ يكون تقسيمًا صحيحًا؛ لأن الوصل إما بزيارة البدن أو ببعثه الرسالة.
ومثال الثاني قول بعضهم يصف مكسورين في الحرب:
(فمن جريح مضرج بدمائه، = وهارب لا يلتفت إلى ورائه) .
فإن الجريح قد يكون هاربًا، والهارب قد يكون جريحًا، والقسمة الصحيحة: (فمن بين قتيل، ومأسور، وناج) .
وقد قال النابغة:
لم يبق إلا أسير غير منفلت = وموثق في عقال الأسر مكبول
ولعله لم يذكر الناجي، لأنه لم ينج من الذين وصفهم أحد، بل انحصروا في القسمين المذكورين: وهما الأسير، والقتيل وإليه أشار بغير المتفلت.
ومن الحصر الصحيح قول عمرو ابن كلثوم:
فآبوا بالنهاب وبالسبايا = وأبنا بالملوك مصفدينا
[الإكسير في علم التفسير: 295]
فإنهم لم يتركوا بعدما أتوا به شيئًا إلا رهائن المعارك والقتلى.
ومن ذلك قول بعض الأعراب: النعم ثلاث: نعمة في حال كونها نعمة، ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة، فأبقى الله عليك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترتجيه، وتفضل عليك بما لا تحتسبه. فاستحسن قوم هذه القسمة، وليست بشيء؛ لتداخلها والإخلال ببعض أقسامها:
أما الأول: فلأن غير المحتسبة من أقسام المستقبلة، أو المستقبلة إن ظهر سببها كانت محتسبة، وإلا فهي غير محتسبة.
وأما الثاني: فلأن من أقسام النعم: الماضية، ولم يذكرها.
ولو قال: (النعم ثلاثة: نعمة ماضية، ونعمة حاضرة، ونعمة مستقبلة، فأحسن الله آثار النعمة الماضية، وأبقى عليك الحاضرة، وأجزل لك المستقبلة) لطبق مفصل البلاغة.
وقد تعجب بعض البلغاء من قول العباس بن الأحنف:
وصالكم هجرٌ، وهجركم قِلىً
وعطفكم صدً، وسلمكم حرب
وقال: هذا أحسن من تقسيمات أوقليدس. وغفل عن أن شرط التقسيم الصحيح أن لا يقبل الزيادة، وهذا يقبلها، نحو:
ولينكم عنف وفر بكم نوىً = وإعطاؤكم منع، وصدقكم كذب
وكثير من هذا الباب.
وقد أنكر علي بن معط قوله في الفقيه:
[الإكسير في علم التفسير: 296]
فقلت: اعتراض من حاسد، أو جاهل، أو عالم معاند.