فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 150

لأنها قسمة متداخلة، لأن الحاسد أعم من أن يكون جاهلًا أو عالمًا؛ والجاهل أعم من أن يكون حاسدًا أو غيره، والله أعلم.

النوع الحادي والعشرون: في الاقتصاد والإفراط والتفريط

فالاقتصاد: التوسط والقصد.

والإفراط: مجاوزة الحد.

والتفريط: القصور عنه.

واعلم أن المعنى المراد من الكلام: إما وفق رتبة المعبر عنه، وهو الاقتصاد. أو دونها: وهو التفريط. أو فوقها: وهو الإفراط.

ولعلماء البيان فيه ثلاثة مذاهب:

أحدها: كراهته، وهو مذهب الجاحظ.

والثاني: اختياره وإيثاره، وهو مذهب قدامة بن جعفر. قال: لأن أحسن الشعر أكذبه، وعليه المتأخرون، وهذا المختار؛ لأنه مركب من مقدمات تخيلية، باعتبار الصدق، والتحري فيه لا معنى له، ولأن ذلك يعود تركه.

الثالث: اختيار القصد فيه بصورة الإفراط، وهو أن يفرط ثم يستثني ما زاد على القصد، أو كاد، أو غيرهما، كقول البحتري:

[الإكسير في علم التفسير: 297]

فلو أن مشتاقًا تكلف فوق ما = في وسعه لسعى إليك المنبر

وقول الآخر:

يكاد يمسكه عرفان راحته = ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

هكذا ذكر ابن الأثير مثال هذا، وليس بمطابق؛ لأن هذين ما أفرطا، ولا استثنيا شيئًا، وإنما البحتري علق الإفراط: وهو سعي المثير على شرط: وهو تكليف المشتاق ما في وسعه، والآخر قارب الإفراط لكنه في معنى الاستثناء، فما ذكره متجه في الجملة، فهذا مثال القصد.

ومثال التفريط، قول أبي تمام:

ما زال يهذي بالمكارم والعلا = حتى ظننا أنه محموم

فجمع له بين لفظ الهذيان وخلط الحمى، ولعل أبا تمام حين قال هذا كان محمومًا، وإلا فالسامع لا يستحسن هذا الخطاب لمن يهجوه، فكيف لمن يمدحه.

وكذا قوله:

أنت دلو، وذو السماح أبو مو = سى قليب، وأنت دلو القليب

ومراده: أنك سبب إلى عطاء أبي موسى، كما أن الدلو سبب إلى استخراج ما في

[الإكسير في علم التفسير: 298]

القليب، وهو معنى حسن إلا أن جعل الممدوح دلوًا تفريط، فقبح لما تقدم، من أن المعتبر في هذا العلم المعنى واللفظ معًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت