فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 150

ويحكى أن بعض الأعراب وفد على بعض الخلفاء فمدحه بشعر من جملته:

أنت كالكلب في حفاظك للود = وكالتيس عند قرع الخطوب

أنت كالدلو لا عدمناك من دلو = شديد العرى وثيق الصليب

فقال الخليفة، ولم يتحقق أنه أعرابي: انظروا، فإن كان أعرابيًا، فأجيزوه، وإن كان قرويًا، فاصلبوه. يشير إلى أنه إن كان أعرابيًا كان جادًا، وأهل القرى يهزلون ويطنزون.

وقول بعضهم:

وتلحقه عند المكارم هزة = كما انتفض المحموم من أم ملدم

فتشبيهه بالمحموم تفريط، كما سبق من قبل، وأحسن مشابهة به اهتزاز الممدوح اهتزاز السيف كقوله:

كريم ومتلاف إذا ما سألته = تهلل واهتز اهتزاز المهند

ومن هذا الباب قول الأعشى:

وما مزبد من خليج الفرا = ت جون غواربه تلتطم

[الإكسير في علم التفسير: 299]

بأجود منه بماعونه = إذا ما سماؤهم لم تغم

فإنه مدح ملكًا بأنه يجود بالماعون، وهو ما يستعار من قدوم أو قدر ونحوه من متاع البيت وهذا إلى الذم أقرب منه إلى المدح.

وعندي في هذا النظر: فإن الماعون يراد به الماء أيضًا، وهو مراد الأعشى هاهنا؛ لأنه ذكره في سياق ذكر الخليج والفرات والغوارب والالتطام والغيم.

وقد جاء في الشعر في صفة السحاب:

يصب صبيره الماعون صبًا

يعني: الماء، ذكره العزيزي.

وكنى الأعشى بالماء عن الفضل والعطاء، كأنه قال: بأجود منه بفضله وعطائه الذي هو كماء الفرات، وخص الفرات بالذكر؛ لعذوبة مائها، أو لأنه لم ير غيرها، أو أنه أراد جنس الماء العذب، فإنه موضوع الفرات في الأصل.

قال الله تعالى: {وأسقيناكم ماء فراتًا} ، والله أعلم.

ومثال الأول قول عنترة:

وأنا المنية في المواطن كلها = والطعن مني سابق الآجال

[الإكسير في علم التفسير: 300]

والطعن لا يسبق الأجل، لا يقال: لعله كان يعتقد ذلك لكفره، كما اعتقد عمرو بن معدي كرب أن الفرقدين لا يفترقان أبدًا بقوله:

وكل أخ مفارق أخوه = لعمر أبيك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت