فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 150

وأنشدته بيتًا له مثل الفرد

والصحيح أن هذا الثاني، وهو: ما إذا سمى القائل فهو تضمين، والله أعلم.

[الإكسير في علم التفسير: 310]

النوع الخامس والعشرون: الاستدراج

وهو التوصل إلى بلوغ المراد من المخاطب بالتلطف من حيث لا يشعر.

فمنه قول إبراهيم عليه السلام لأبيه: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا * يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطًا سويًا * يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا * يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليًا} .

فطلب منه أولًا العلة، والدليل على استحقاق آلهته العبادة، وضمن ذلك الدليل على أنها لا تستحقها، وهو كونها لا تسمع ولا تبصر، ومن كان كذلك فهو جدير أن لا يغني عنك شيئًا، وأنت جدير أن لا تعبده، ثم ارتفع عن ذلك يسيرًا، فقال: {إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني} . ولم يصرح له بالتجهيل تأدبًا وتلطفًا، ثم ارتفع عن ذلك قليلًا، فقال: {لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًا} . فيريد أن يجعلك مثله وهو عدوك، ولكن لشدة إخلاص إبراهيم ومناصحته لربه، اقتصر على إخباره بمعصية الشيطان للرحمن، ولم يلتفت إلى عدوانه أبيه، ثم ارتفع قليلًا، فتوعده بالعذاب غير مصرح، بل قال: (إني أخاف أن يمسك عذاب الرحمن) . هذا مع تصديره كل جملة من الكلام بقوله: (يا أبت) تقربًا إلى قلبه، واستعطافًا له، فكان جوابه له أن {قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم * لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليًا} . فأنكر عليه رغبته عن آلهته إنكارًا عنيفًا لتقديمه الخبر على المبتدأ، وسماه باسمه، ولم يقل له: يا بني، كما قال له: يا أبت، وتوعده بالرجم توعدًا مؤكدًا لا تعريضًا، كما قال هو له: (إني أخاف أن يمسك) وأمره بهجرانه مليًا، إظهارًا لتبرئه منه، وجفوته له، وكراهة ما جاء به، وهذا ضد الاستدراج.

[الإكسير في علم التفسير: 311]

ومنه: قول مؤمن من آل فرعون: {أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم * وإن يك كاذبًا فعليه كذبه * وإن يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم} .

فأخذهم بالاحتجاج على جهة التقسيم والاستدراج فقال: هذا إما كاذب فوبال كذبه عائد عليه، فما لكم وله، وإما صادق فيصيبكم بعض ما يعدكم به، فقدم الكذب على الصدق، وقال: {بعض الذي يعدكم} من علمه بأن جميع ما وعدهم به واقع بهم، هضمًا لبعض حقه في ظاهر الكلام، كأنه قال: إني قد هضمته بعض حقه، وحجتي ظاهرة عليكم، فكيف لو استوفيت له حقه، في جدالكم، أو تعصبت له فزدته على حقه، ثم أبطل القسمين، وهو كونه كاذبًا بقوله: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} أي: وهذا قد هداه الله للإيمان فلا يكون كاذبًا، فيكون صادقًا، فاقبلوا اتباعه، وهذا هو المقصود بالاستدراج، توصل إليه بتلك المقدمات، والله أعلم.

وهكذا قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: {ما تعبدون * قالوا نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين} . فإن في هذه القصة أنواعًا من التلطف والاستدراج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت