فهرس الكتاب
النوع السادس والعشرون: الإرصاد
وهو معرفة السامع قافية البيت، أو فاصلة النثر من سماع صدر كلام، كقول النابغة:
[الإكسير في علم التفسير: 312]
فداء لامرئ سارت إليه = بعذرة ربها عمي وخالي
ولو كفي اليمين بغتك خوفًا = لأفردت اليمين عن الشمال
فإن من سمع لفظ اليمين في أول البيت بعد معرفته أن الشعر على قافية اللام علم أن لفظ الشمال في آخره.
وكذا قول البحتري:
أحلت دمي من غير جرم وحرمت = بلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حللته بمحلل = وليس الذي حرمته بحرام
فإن السامع لا يخفى عليه آخر هذا البيت من سماع أوله.
ومن هذا القبيل ما حكي أن جريرًا والفرزدق كانا يتهاجيان، فأنشد جرير بحضرة الفرزدق قصيدته التي هجا بها الراعي، يقول فيها:
فغض الطرف إنك من نمير = فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
إلى أن انتهى إلى قوله:
لها مرض بجانب إسكتيها =
فأحس الفرزدق بتمام البيت فغطى عنقفته بيده، فقال جرير:
.= كعنقفة الفرزدق حين شابا
[الإكسير في علم التفسير: 313]
فما أغنى عن الفرزدق تغطية عنقفته شيئًا.
ومن الإرصاد قوله تعالى: {فما كان الله ليظلمهم} ، فالسامع لهذا يدري أن آخر الآية {يظلمون} .
وقوله تعالى: {كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا * وإن أوهن البيوت}
فالسامع لهذا يعلم أن بعده: بيت العنكبوت.
ونظائر هذا كثيرة وهذا مما يدل على براعة الناظم والناثر، لأن أول الكلام لا يدل على آخره، إلا لشدة ارتباطه به، وذلك أعلى مطالب هذا العلم كما سبق.
وفي الافتخار بذلك قال ابن نباتة الشاعر:
خذها إذا أنشدت في القوم من طرب = صدورها عرفت منها قوافيها
ينسى لها الراكب العجلان حاجته = ويصبح الحاسد الغضبان يطريها
وأبو هلال سمى هذا النوع (التوشيح) ، وتسميته بالإرصاد أولى، لأن السامع يرصد القافية في نفسه، أي: يعدها بالحدس حتى يحققها بالحس.