فهرس الكتاب
وأما من حيث الفقه فيحتمل الخلاف مطلقًا، لتعارض الأصلين، أما لزوم العيب فلأن الأصل عدم السرقة، فالظاهر التوارد. والله أعلم.
وأما السلخ: فهو أخذ المعنى دون اللفظ فلا عيب فيه، إذ لا يستغني الثاني من استعارة المعاني ممن تقدمه، وقد قال علي رضي الله عنه: (لولا أن الكلام يعاد لنفد) . ولأن المعاني مشتركة، وإنما التفاضل في جودة الصناعة اللفظية، وحسن السبك، كما قال بعضهم: (أبو عذر الكلام من سبك لفظه على معناه) .
وبالجملة فاستعارة المعاني وتداولها إجماع من العالم، لكن ينبغي للثاني مراعاة ما قدمنا ذكره: من إبراز المعاني المستعارة في تركيب بديع، ومنظر أنيق، وبيان في رخاوة إن أمكن، وهو ضربان:
[الإكسير في علم التفسير: 318]
الضرب الأول: أن يزيد الثاني على الأول شيئًا
فمن أمثلة ذلك قول العرب: (القتل أنفى للقتل) فجاء القرآن بقوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} ، وهو أحسن وأبدع، لأنه أخصر في الحروف، وأعدل في المخارج، وهو عري عن التكرار، وفيه ذكر القصاص المشعر بالتساوي والعدل، والدلالة على حصول الغرض، إذ ليس كل قتل ينفي القتل، بل ما كان قصاصًا.
أما العدوان، فإنه يوقع الهرج، ويكثر القتل، ثم نظم الشاعر هذه المعاني فقال:
بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما = وبالقتل تنجو كل نفس من القتل
ثم قال الآخر:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى = حتى يراق على جوانبه الدم
ومنها قول بعض العرب:
وحي ذوي الأضغان تسب عقولهم = تحية ذي الحسنى وقد يرفع النغل
وإن دحسوا بالقول فاعف تكرمًا = وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه سماعه = وإن الذي قالوا وراءك لم يقل
[الإكسير في علم التفسير: 319]
فجاء القرآن بقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} وهو أخصر حروفًا وأحسن تركيبًا وطباقًا.
واعلم أن جعلنا القرآن في هذين المثالين ثانيًا لكلام العرب، إنما هو باعتبار النزول، وأما باعتبار الوجود فالقرآن قبل العرب فضلًا عن كلامهم.
ومنها قول النابغة:
إذا ما غزا بالجيش ... ... ...
البيتين المذكورين في باب الإفراط، أخذ الأفواه معناهما فقال:
وترى الطير على آثرنا = رأي عين ثقة أن ستمار
وهو أخصر وأحسن، وبمثل هذا يصير الثاني أحق بالمعنى الأول.