فهرس الكتاب
اسمًا للين، الدال على صلابة الطاء وكزازتها، وارتفاعها عن خفوت التاء، وكذلك حال السين بين مخرج الضاد والزاي. قال: والهاء تستعمل في البناء للينها، وهشاشتها، ولا بد من رعاية هذه الاعتبارات، ليكون الكلام سلسًا على اللسان.
(ج) في بيان جودة متباعد المخارج، ورداءة متقاربه، وهو من وجهين:
أحدهما: أن ما تباعدت مخارجه يحصل للنطق في تأليفه مهلة وأناة، فتجيء الحروف مستقرة ممكنة، كمن يمشي في أرض سهلة مستوية، فإنه يكون مستقرًا ممكنًا، بخلاف ما تقاربت مخارجه، فإن النطق في تأليفه لا يخرج من مخرج إلا وقد غيره فيما بعده، فتجيء حروفه مقلقلة مكدودة غير مستقرة ولا ثابتة، كمن يمشي في أرض وعرة، كثيرة الصعود والهبوط، فإنه يقوم ويقع، ولهذا كان التمتام والفأفاء يعثران في كلامهما، ولهذا لا تكاد تجد حرفين متواليين في كلمة واحدة من مخرج واحد، كالعين والحاء، أو الغين والخاء، أو الطاء والتاء، أو الكاف والقاف، أو الذال مع التاء، أو الظاء. فإن بدر شيء من ذلك، عدلت عنه العرب إلى الأخف، وإن خالفت به أصله نحو: حيوان، أصله:"حَيَيَان"لأنه من مضاعف الياء، فعدلوا به إلى الواو؛ طلبًا
[الإكسير في علم التفسير: 109]
للخفة، وكفى بهذا دليلًا. وهذا الوجه قاله ابن الأثير، وهو حسن، لكنه ذكره مشتتًا متفرقًا مطنبًا فيه، فجمعته ولخصته.
الثاني: إن نسبة الأصوات إلى حاسة السمع، كنسبة الألوان إلى حاسة البصر، وكما أن الألوان كلما تباينت وتباعدت كيفيات بعضها عن بعض، كانت أحسن، كالسواد مع البياض، أحسن منه مع الصفرة؛ لتقاربهما، فهكذا يقال في الأصوات. وهذا توجيه أبي محمد بن سنان الخفاجي، وهو حسن جميل. واعترض عليه ابن الأثير، بأن قياس أحكام بعض الحواس على بعض غير لازم ولو ثبت، لكنه إنما يصح ما ذكرت: أن لو توقفت معرفة جودة الألفاظ ورداءتها على سماع جرسها من مخارجها، كما تتوقف معرفة حسن الألوان وقبحها على رؤيتها، وليس كذلك، بل جودة اللفظ تعرف بدون سماعها، ككونها مكتوبة، أو متصورة، هذا حاصل اعتراضه. وأنا أقول: إنه إما أنه لم يصل إلى مغزى كلامه، أو أنه عانده ليفسد قوله، ويصحح قول نفسه الذي تقدم، والجور قبيح، وكلا توجيههما مليح.
والجواب عن الأول: أن قياس بعض الحواس على بعض وإن لم يكن لازمًا، لكنه مناسب مناسبة قويه، ومجرد المناسبة، كافٍ في هذا العلم، إذ ليس من العقليات القطعية حتى يعتبر فيه اللزوم القاطع، ولأن أرسطو وأصحابه ذهبوا: إلى أن محسات البصر ترد عليه هيآتها فيه، كما أن نفيه الحواس يرد محساتها عليها لاقتضاء الحكمة
[الإكسير في علم التفسير: 110]
جريان الوجود على نظام واحد لا يختلف، وجعل هذا دليلا معتمدًا في العقليات، فما ظنك بهذا العلم الإقناعي.
وعن الثاني: لا نسلم إدراك جودة اللفظ بدون سماعه، وإنما يدرك جودة معناه؛ لأن آلة إدراكه العقل، فاشتبه عليك أحد الإدراكين بالآخر. ولئن سلمناه، لكن الإنسان بمجرد أن يدرك اللفظة مكتوبة، يعرضها بطريق التقدير والتصوير على مخارج ألفاظها، فيعلم حكمها من جودةٍ ورداءة سريعًا؛ لكثرة مباشرته للألفاظ والنطق بها، ولهذا فإن أحدنا إذا استصعب عليه هجاء لفظة، لكثرة حروفها نحو: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ} ، و {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} يتهجاها بأن يتصور حروفها في ذهنه، ويجعل كل حرف في رتبته، فيحصل له معرفة هجائها وإن لم ينطق به، ولأن آلة إدراك اللفظ: النطق، كما أن آلة إدراك المعنى: الذهن، وحسنهما فرع عليهما، فلو جاز أن يدرك حسن اللفظ بدون آلته التي هي النطق، لجاز أن يدرك حسن المعنى