فهرس الكتاب
بدون آلته التي هي الذهن والتعقل، وهو محال، وهذا واضح لمن عقل وأنصف. واعلم أن توجيه الخفاجي مبني على قاعدة لطيفة، وهي أن الحواس الخمس بمنزلة الجواسيس للنفس، يلقى إليها ما تدركه، وقد علمنا بالطبع أن النفس ترتاح للأخبار المستغربة المتباينة، وتمل وتمج الكلام المعاد، كما قال بعضهم في ذلك:
إذا جلستَ إلى قوم لتؤنسَهم = بما تحدّثِّ من ماضٍ ومن آتِ
فلا تعيدن حديثًا إن سمعَهُمُ = موكَّلٌ بمعاداة المعداتِ
ولا شك أن الحروف المتقاربة في معنى المعاداة المتماثلة، ولهذا وقع الإدغام في المتماثلين، نحو: شدّ يشدّ. وفي المتقاربين نحو. فثبت أن السمع والنفس
[الإكسير في علم التفسير: 111]
تُجافيان متقارب الحروف وتملانه، كما يملان تكرار الحرف الواحد من المخرج الواحد لما في ذلك من ثقل التلفظ، والله أعلم.
الصفه الثانية: أن تكون مألوفة قد صقلتها الألسن، وأنست بها الأسماع والقلوب، لكثرة دورانها في الاصطلاح، غير وحشية، ولا متوعرة، ولهذا لم يكن في القرآن العزيز شيء من الوحشي، ولو ورد فيه لما قبح؛ لأنه لسان المخاطبين به وعرفهم، ولكن لما كان مستمرًا في القرون والأمصار تلاوة وكتابة واستعمالًا، أنزله الله تعالى عريًّا عن الوحشي بالنسبة إلى من يأتي بعدَ من خوطب به.
واعلم أن الكلمة ليست لذاتها وحشية ولا مألوفة، بل هذه صفة إضافية لها، وهي بالإضافة إلى من كثر دورانها في كلامه، وأنس بها سمعه مألوفة، وبالإضافة إلى عكسه بالعكس، ألا ترى أن العرب كانوا يستعملون في مفاوضاتهم ألفاظًا لا يفهمها من أهل زماننا إلا كل فاضل بارع نظر في كتب اللغة، وقرأ على الشيوخ، وكان ذلك بالنسبة إليهم فصيحًا حسنًا رائقًا، كالألفاظ التي في حديث أم زرع، وحديث طَهفَة بن أبي زهير النهديّ، ولو استعمل أحد من هؤلاء الحاضرة تكلفًا، لعدّ قبيحًا، ومن عده فصاحة أخطأ، وذلك قول ابن الرومي:
أسقني الأسكركة الصّنبرَ في جعضلفونه
واترك الفيجن فيه ياخليلي بغصونه
وقول الآخر في صفة المطر:
مُتغطمط غصب الوحوش مكانها = تياره فالضب جارُ الضِّفدع
[الإكسير في علم التفسير: 112]
وكقول بعضهم وقد اعتلّت أمّه، فكتب رقاعًا وألقاها في المسجد الجامع ببغداد:"صِينَ امرُؤ وَرَعى، دعا لامرأة مقسئنة، قد منيت بأكل الطرموق فأصابها من أجله الاستمصال، أن يمن عليها بالاطرغشاش، والانبخال"فكل من قرأها، لعنه ولعن أمه ودعا عليهما. وكقول الآخر: إن كانت إلا أثوابًا في أُسفياط قبضها عشَّاروك. فهذه ألفاظ وحشية قبيحة الاستعمال في عصرها، إلا أن الناظم فيها أعذر من الناثر؛ لانطلاق عنانه في التأليف، وتقييد الناظم بقيد العروض، والتزام القافية، لكن ينبغي له اجتناب الوحشي ما أمكن، فإن قول القائل"متغطمط"لو جعل عوضها متدارك، أو