فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 150

متراكم، أو متلاطم، لأدت معناها، على أن لفظة"متغطمط"لا أراها متوغلة في التوحش، ولفظها مشعر بالكثرة، والحركة، وشدة الاضطراب، والغليان، فلا يقوم مقامها شيء من الألفاظ المذكورة، والله أعلم.

الصفة الثالثة: ألا تكون الكلمة مبتذلة بين العامة، وذلك قسمان:

القسم الأول: أن يدرك اللفظ بالوضع على معنى، فتنقله العامة إلى غيره وهو نوعان:

النوع الأول: ما نقلته إلى معنى مستقبح كقول المتنبي:

أذاق الغواني حسنه ما أذقنني = وعف فجازاهن عني على الصرم

[الإكسير في علم التفسير: 113]

فإن الصرم في اللغة: القطيعة، يقال: صرمه صرمًا: إذا قطعه بضم الصاد وفتحها، واستعمله العامة بآخر طرف عرق في الجوف، هو قريب من خارج حلقة الدبر إذا وصل إليها، قالوا: طلع صرمه، وفلان له صريم، مثل لهم في تهكمه واحتقاره، وهو في الأصل"سرم"بالسين، فحرفوه تحريفين: نقله عن معناه اللغوي، وجعل ما بالسين بالصاد، ومثل هذا يتوجه على الحريري في قوله:

فإن وصْلًا ألذ به فوصْل = وإن صُرمًا فصرم كالطلاق

بل هو عليه أشد؛ لتكرار اللفظ المكروه.

فإن قلت: قد استعمل امرؤ القيس هذا في قوله:

أفاطمَ مهلًا بعضَ هذا التدلُّلِ = وإن كنتِ قد أزمعتِ صَرمي فأجملي

وكفى باستعمال امرئ القيس له حجة.

قلت: الفرق بينهما أن امرأ القيس استعمله قبل تحريف العامة له، واستعمالهم إياه في موضوع قبيح، بخلاف المتنبي والحريري.

فإن قلت: ولعلهما أيضًا استعملاه قبل التحريف، فلا يَرِد عليهما.

قلت: هو خلاف الظاهر، فإن العامة تتداول هذا اللفظ متلقين له عمن قبلهم طبقة بعد طبقة، وعصرًا بعد عصر، فالظاهر أن زمنهما لم يتقدم تحريفه مع قربه. والأقرب عندي: أن مثل هذا اللفظ مما فيه لغتان، يستعمل وينشد باللغة المخالفة للاصطلاح المكروه، كالصَرم بفتح الصاد. هنا لا يقال: هذا فيه تغيير الرواية عن وضعها، وهو كذب حرام ٍ؛ لأناّ نقول: لا بأس بذلك؛ لأجل المعارض الراجح، وقد جاز الكذب شرعًا، بل استحب، بل وجب لمصلحة راجحة، فهاهنا أولى، ثم لم بدل دليل قاطع على أن الشاعر نطق بالصرم مثلا بضم الصاد، فيكون مظنونًا، فيقوي المعارض. ومن هذا قول المتنبي:

[الإكسير في علم التفسير: 114]

سلي البيدَ أين الجنُّ منّا بجوزها = وعن ذي المهاري أين منها النقانق؟

والمراد بجوزها: وسطها، وبالنقانق: جمع نقنق: وهو ذكر النعام، فاستعملتهما العامة في نوعين من الطعام، وكثر ابتذالهم لهما ولأشباههما، فصار استعمال لفظهما -وإن كانالمراد معنى غريبًا فصيحًا- ركيكًا حتى لو أفرد لفظ النقنق، وجمع لفظ الجوز، لزالت الكراهة؛ لزوال المشابهة، كما قال الراجز:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت