فهرس الكتاب
فهي تنوش الجو تنوشًأ من علا = نوشًا به تقطع أجواز الفلا
النوع الثاني: ما نقلته العامة إلى معنى غير مستقبح
كتسميتهم الإنسان إذا كان حسن الصورة واللباس، دمث الأخلاق طيب الريح، ظريفًا، وإنما هو في وضع اللغة للحسن النطق، لأن العرب جعلت لبعض صفات الإنسان موضوعات مخصوصة، فقالوا: الصباحة في الوجه والوضاءة في البشرة، والجمال في الأنف، والحلاوة في العينين، والملاحة في الفم، والظَرف في اللسان، والرشاقة في القدّ، واللباقة في الشمائل، وكمال الحسن في الشّعر، ولهم فروق في هذا وغيره كثيرة جدًا، صنفت فيها كتب، منها: كتاب الفرق لابن فارس، ومثل هذا النوع لا يقتصر على كونه مكروهًا، بل استعماله على اللغة قطعًا.
[الإكسير في علم التفسير: 115]
القسم الثاني: ما كره استعماله
لمجرد ابتذال العامة خطأ، لكونه ليس محرفًا عن وضعه ولا مستقبحًا كقول المتنبي:
وقلقلتُ بالهمٌ الذي قلقل الحشا = قلاقلَ عِيس كلهنٌ قلاقِلُ
فإن قلت: لم يكن هذا لما ذكرتم من ابتذالهم لهذا اللفظ، بل لثقل تكرار لفظ مرارًا من مادة واحدة. قلت: هو باطل بقول الأعشى:
وقد غَدَوْتُ إلى الحانوت يَتبعُني = شاوٍ مِشَلٌّ شَلولٌ شُلشُلٌ شَوِلُ
إذ هو تكرار لفظ مادته واحدة، وهو من أفصح الألفاظ وأعدلها، ولكنه ليس بمبتذل؛ إذ الشلشل: الخفيف الروح، ولا يكاد يعرفه إلا خواص أهل اللغة، وكقوله أيضًا: أعني أبا الطيب:
وملمومة سيفيّة ربعيّة = يصيح الحصا فيها صياح اللقالق
[الإكسير في علم التفسير: 116]
وكقول ابن هاني:
من ليس يرفل إلا في سوابغه = من تبعي مفاض أو سلوقي
أم من يُذلّ عماليقا تذلّهم = أي الأجادل يسمو للكراكي
فهذه القوافي وأصلها من المبتذلات ينبغي اجتنابها؛ لغثاثتها، ومج الأسماع لها؛ لابتذالها.
الصفة الرابعة: أن لا تستعمل اللفظ المشترك بين معنيين: حسن، ومستكره، بلا قرينة تميزه؛ إذ بدون القرينة يسبق إلى الوهم المعنى المستكره، فتمجّه النفس وتنفر منه. ولا تزول تلك النفرة بعد معرفتها أن مراده المعنى الحسن، لصلافتها وسرعة بغيها بالمعاني، ألا ترى أنك لا تشك في حسن الورد، وحلاوة العسل، ولو قيل: هذا الورد يشبه سُرم البغل، وهذا العسل كأنه عذرة، وهذا اللبن كأنه مدة أو قيح، لنفرت، فإذا نفرها التشبيه الطارئ، فكيف بالإدراك المتبادر للسياق. مثال ذلك قوله تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} . وقوله: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} .
وقول القائل:"لقيت فلانًا فأكرمته وعزّرته". فلولا القرينة الإكرام في هذه المواضع، لفتح لمبادرة الذهن إلى التعزير بمعنى: التأديب والإهانة.