فهرس الكتاب
[الإكسير في علم التفسير: 117]
وكذا قول بعضهم يصف رقعة جاءته من صديق له:"فأنارت إنارة الزواهر، فالأذهان منها كالعانة في فلكها الدائر"، فإن العانة مشترك بين جماعة حمر الوحش، والشعر حول القبل، وكواكب السماء تحت القوس، فبذكره الفلك، علم أن المراد: هذا المعنى الأخير؛ لملازمة الكواكب له. واعلم أن القرينة قد تكون قوية فتميز بين المشتركين تمييزًا تامًا، وقد تكون ضعيفة، فلا تفيد. مثال الأول قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} . فإن لفظ المقعد والمقعدة مشترك بين ما يلاقي الأرض من الإنسان إذا قعد، وبين موضع القعود، كالمضرب والمقتل، لكن ذكر القتال في الآية بيّن أن المراد: الموضع، لا ما يلاقيه. وقرينة أخرى، وهي: تبوئ؛ إذ معناها تنزل في قوله تعالى: {لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} أي: بنوا لهم، وذلك مختص بالمكان وكذا قوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} فالصدق بين المراد. ومثال الثاني قول الشريف الرضي:
أعززْ عليّ بأن أراك وقد خلا = عن جانبيْك مقاعدُ العُوّاد
فإن"خلا"إضافتها إلى العواد، قرينة، لكنها ضعيفة من جهة أن المقاعد أضيفت إلى من يصح استعمالها فيه بالمعنى المستقبح، بخلاف الآية المذكورة، فإنها مضافة إلى ما لا يصح استعماله فيه بذلك المعنى: وهو القتال، ولو قال الشريف الرضي: مجالس، أو مواطن، عوض مقاعد، لخلص من هذه المعرة. ولو لم يذكر القرينة في شعره، لكان أمره أخف وأسهل.
[الإكسير في علم التفسير: 118]
فإن قلت: فما تقول في قوله عليه السلام:"حولوا مقعدتي قبل القبلة"أمستكره هو أم لا؟ قلت: لا؛ لأن المراد بها الموضع الذي يقعد فيه لقضاء الحاجة، وهو مستعار من اللفظ الذي تتحامى ذكره، والمستعار له حكم المستعار منه؛ للترابط بينهما، فكأنه صرح بالمستعار منه وهو: العجيزة، ولو صرح بذلك لم يكن مستكرهًا شرعًا، كقوله لا تقل: أهريق الماء، ولكن قل: أبول.
وقوله لماعز: (( أنكتها؟ ) )ولم يكن. بخلاف ما نحن فيه؛ فإن كلامنا في ذكر معنى حسن بلفظ يوهم معنى مستكرهًا من غير رابط بينهما، فاعرف ذلك.
واعلم أنه قد ورد شيء من هذا الباب مهمل بغير قرينة، كقول تأبط شرًا:
أقول للحيان وقد صفرت لهم = وطابي ويومي ضيق الجحر معور
فقال ابن الأثير: لا تفيد القرينة هذا شيئًا، ولا تزيل ما عليه من الكراهة، وما فيها من القبح؛ لمبادرة الذهن منه إلى المحل المخصوص من الحيوان بكل حال.
وفي هذا نظر، بل لهذا الحكم غيره مما تزيل القرينة كراهيته كقولهم:
جُحْر ضبٌ خَرِب
وقول الآخر:
فكنت كالمولج في جحر يدا = فأخطأ الأفعى ولاقى الأسَودا
[الإكسير في علم التفسير: 119]