فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 150

فإن هذا يدل على أن المراد ثقب في حائط أو أرض، بقرينة ذكر الضَّب، والأفعى، يؤكد ذلك أن استعمال ما يكره من الألفاظ إنما يصدر عن الكَن عَي، أو فصيح ضعيف الفصاحة، أو تام الفصاحة بشرط القرينة الموضحة للمراد منه ولو كان استعمال مثل ذلك مع القرينة المميزة لا يزيل كراهته، لكان عِيًّا، أو ضعفًا في الفصاحة، وكان يلزم ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه استعمله في قوله: (( إن الإيمان ليأرِزُ للمدينة، كما تأرِزُ الحية إلى جحرها ) ). وقوله: (( لو كان المؤمن في جحر ضب لقيض الله له من يؤديه ) ).

وقوله: (( لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين ) )وذلك باطل؛ لأنه أفصح العرب اتفاقًا. فقد تحصل مما ذكرناه في هذا البحث، أن اللفظ الذي يبادر الذهن منه إلى معنى مستكره، إما: أن يتجرد عن قرينة، أو لا. فإن تجرد عن قرينة كان مذمومًا في هذا العلم. ثم هو قسمان:

أحدهما: ما لو اقترنت به قرينة أزالت قبحه، نحو:"التعزير". والثاني: ما لا تأثير للقرينة في إزالته، كبيت"تأبط شرًا"، على رأي، ابن الأثير. وعليه سؤالنا المذكور. وإن اقترنت به قرينة، فهي: إما قوية مزيلة للقبح، نحو: {مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} . وإما ضعيفة لا تزيله، بل ربما كان عدمها أيسر حالًا، نحو: مقاعد العواد، والله أعلم بالصواب.

[الإكسير في علم التفسير: 120]

الصفة الخامسة: تصغير اللفظة حيث يعريها عن معنى خفيف أو لطيف أو ضعيف للتناسب بينهما.

وفيه أبحاث:

البحث الأول: أقسام التصغير

منها: تصغير التحقير: وهو إما في المعنى دون الصورة، كقولك لرجل عظيم الخلقة:"رُجيل"أي صغير الأمر، حقير القدر. وإما في الصورة دون المعنى كقولك:"جبُيل"إذ الجبل لا معنى يحقره. وإما فيهما، نحو:"رُجيل"لرجل دميم الخلقة، حقير القدر. ومنها: تصغير التقريب: ومورده الظروف، نحو:"نُحَيْت، وفُوَيق، وعُنَيد، وقُبيل، وبُعيد"، قال امرؤ القيس:

بِضافٍ فُويق الأرضِ ليس بأعزل

ومنها: تصغير التقليل، ومورده العدد نحو: دريهمات وأجيمال.

ومنها: تصغير التعظيم، كقوله صلى الله عليه وسلم عن ابن مسعود: (( كُنيفٌ ملئ علمًا ) ).

كقول لبيد:

وكل أُناس سوف تدخل بينهم = دُويهيةٌ تصفرُّ منها الأنامل

[الإكسير في علم التفسير: 121]

لا يقال: حقيقة التصغير واحدة، فكيف يراد بها ضدان، كالتحقير والتعظيم؟ والدليل الواحد لا يدل على مدلولين متناقضين، كما أن العلة لا تقتضي معلولين، ذلك لأنا نقول: إرادة الضدين منه ليست من جهة واحدة، حتى يلزم ما ذكرت، بل من جهتين، إحداهما: التجرد عن قرينة، فيفيد التحقير لوضعه له.

والثاني: إقرانه بقرينة التعظيم فتفيده، لقرينة العلم في الخير، واصفرار الأنامل في الشر.

ومنها: تصغير التبغيض والذم نحو: عُدَيٌ نفسه، وجُحَيش وعبير وحده، وربما كان عدي نفسه داخلًا في أحد القسمين: التحقير أو التعظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت