فهرس الكتاب
وبالجملة: فهم تارة يعتبرون اللفظ وتارة المعنى، فيقولون ثلاثة أشخص، نظرا
[الإكسير في علم التفسير: 187]
إلى لفظ الشخص وإن عنوا نساء، أو ثلاث أنفس؛ نظرا إلى لفظ النفس وإن عنوا رجالا.
واعلم أن (من) لفظها مفرد ومعناها الجمع فيضطرون إلى كل منهما تارة، كقوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} هذا كله نظرا إلى إفراد اللفظ {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} نظرا إلى معنى الجمع، وكذلك {لن يدخل الجنة إلا من كان} أفرد ضميرها؛ نظرا إلى اللفظ {هُودًا أَوْ نَصَارَى} جمع الخبر؛ نظرا إلى المعنى.
وكذلك"كلا وكلتا"لفظهما لفظ المفرد ومعناهما التنبيه، وينظر إلى كل تارة، كقوله تعالى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} هذا على إفراد اللفظ .. {وفجّرنا خلالهما نهرا} على المعنى. وجمع بينهما الشاعر في بيت وهو:
كلاهما حين جدّ الجري بينهما = قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
وقال الأعشى:
كلا أبويكم كان فرعا دعامة = ولكنهم زادوا وأصبحت ناقصا
(وكل) مثل (كلا) لفظا، ومعناها الجمع، قال تعالى: وكلٌّ أتوْهُ
[الإكسير في علم التفسير: 188]
داخرين على الجمع، {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} على إفراد اللفظ، والله أعلم.
الصنف الخامس: في التقديم والتأخير، وهو: جعل اللفظ في رتبة قبل رتبته الأصلية، أو بعدها؛ لعارض اختصاص، أو أهمية، أو ضرورة، قال سيبويه:"والظاهر أنهم يقدمون الشيء الذي شأنه أهم، وهم به أعنى، وإن كانا جميعًا مهمّين"مثل أن يرد الإخبار عن قتل شخص خارجي، لا من حيث هو شخص معين، فيقولون:"قتل الخارجيّ زيد"وإذا صدر عن بعض الفضلاء قبيحة، قدموا اسمه، فقالوا:"فلان فعل كذا".
ولو كان الأهم عندهم الفعل قدموه فقالوا:"فعل كذا وكذا فلان"، ولعل هذا هو المقتضى لقوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} وفي يس: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} إذ الأهم في الأولى الإخبار بمجيء الرجل ناصحا لموسى، والأهم في الثانية: الإخبار بمجيئه من أقصى المدينة؛ مبالغة في الإخبار باجتهاده في الدعاء إلى الله تعالى، ونصيحة قومه وعتوهم عليه وعصيانهم له، وتقديم الأهم حيث كان أوقع في النفس.
وهاهنا أبحاث:
البحث الأول في صور التقديم والتأخير: فمنها: تقديم المفعول: نحو: اللهَ أحمد، وزيدًا ضربت، و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قدم ضمير المعبود للاختصاص،
[الإكسير في علم التفسير: 189]
وكذلك {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} قدم المفعول، وهو"مما رزقناهم"لئلا يتوهم بتقدير تأخيره جواز الإنفاق مما ليس بمملوك لهم.
لا يقال: أي حاجة إلى هذا الاحتراز مع اتفاق العقل، وقواعد الشرع، على المنع من التصرف في غير الملك؟