فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 150

لأنا نقول: الكلام ينبغي أن يكون مفيدا بليغا لذاته، لا بالنظر إلى دليل خارج، فنحن استفدنا هذا المعنى من هذا اللفظ، والأدلة الخارجة عنه مؤكدات له.

ونعني بالاختصاص: اختصاص المفعول بالفعل المتعقب له، وتقريره: أنك لو قدمت الفعل في"زيدًا ضربت"مثلا، فقلت:"ضربت"لبقي السامع مترددا في عين المفعول، لا يعلمها حتى تفرغ من التلفظ بالفعل، ثم تصرح به، ولكنت مخيرا قبل تمام التلفظ بالفعل في إيقاعه على من شئت.

وإذا قدمت المفعول، علم السامع عينه بمجرد ذكره قبل ذكر الفعل، وامتنع اختيارك في الإيقاع إلاّ عليه، لتعين الفعل له بتقديمه، وهذا هو المراد بالاختصاص.

فإن قلت: هذا تدقيق لا طائل تحته من وجهين:

أحدهما: أن الفعل متصل بالمفعول عادة، وزمن التلفظ بهما يسير جدا لا يتسع لتردد السامع، وإن اتسع له، فإنه يزول سريعا بذكر المفعول على الفور.

الثاني: أن الزمن المذكور لا يتسع لتحير المتكلم في الإيقاع على من شاء، ولأن اللفظ ترجمان المعنى النفساني، ومحال أن يتصور المتكلم في نفسه معنى"ضربت زيدا"ثم يعدل في اللفظ إلى"ضربت عمرا أو غيره."

قلت: الجواب عن الأول: إن حصول التردد للسامع في المفعول بتقدير تقديم الفعل مما لا يراعَ فيه؛ إذ هو مدرك حسّا، ولا شك في أن عدم هذا التردد أولى من وجوده، وإن قلّ زمنه، وإلاّ لاختلّت بلاغة الكلام كما سبق قوله. وإن اتسع له فإنه يزول على الفور بذكر المفعول ضعيف؛ إذ قد يعترض بين الفعل والمفعول كلام كثير، فيطول زمن التردد، أو يعرض للمتكلم ما يمنعه عن ذكره من عطاس، أو سعال، أو

[الإكسير في علم التفسير: 190]

شكاة، أو سبات، أو مرض، أو غير ذلك يمنعه من ذكره فيدوم التردد، وتختل لدوامه بلاغة الكلام المطلوب.

والجواب عن الثاني: أن عدم اتساع الزمن لتخيير المتكلم ممنوع؛ لجواز الاعتراض أو سرعة الخاطر المقتضي للاعتراض، وكون اللفظ ترجمان المعنى النفسي مسلم، لكن لم قلت إن العدول عن ذلك المعنى المتصور في النفس إلى غيره محال، وظاهر أنه ليس كذلك؛ لجواز أن يقوم بنفسه معنى يريد الإخبار به على فقه، فيخطر له أن عليه فيه ضررا فيعدل إلى غيره مما لا يرى أن عليه فيه ضررا. مثاله: لو دخل رجل دار قوم، فأخذ درّة، ثم خرج، فسألوه، ما أخذت من دارنا؟ فعزم على أن يصدق، ويقول: أخذت درة، فخطر له قبل تمام لفظة"أخذت"أنه إن أعرف بأخذ الدرة، ربما توجه عليه القطع، فعدل إلى الاعتراف مما لا قطع فيه، فقال: أخذت بيضة، أو خبلا، أو إبرة، أو درهمين، أو ثمن دينار، ونحو ذلك. ومن نظر إلى اصطلاح العرب بعين التحقيق، علم أن لهم فهما أبلغ من هذا التدقيق، ولهذا قال بعض العلماء: يشترط لصحة الاستثناء أن تَنْوِيَه قبل تكميل المستثنى منه، وكذلك سائر التوابع كالشرط الملحق، والعطف المعتبر ونحوه، يشترط نيته قبل تكميل متبرعه.

ولقائل أن يقول: كما أن تقديم المفعول يفيد اختصاصه، والمنع من العدول عنه بتأخيره، كذلك الفعل، فإنه يجوز أن يعدل عن"ضربت زيدا"إلى"ضربت عمرا"، كذلك يجوز أن يعدل عن"زيدا ضربت"إلى"زيدا أكرمت". وهذا يحتاج إلى جواب واضح في هذا المكان، لأنه قاعدة كلية في الباب، وقد يستشكله بعض ذوي الألباب والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت