فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 150

ومنها: تقديم خبر المبتدأ عليه، نحو:"قائم زيد"إذا كان الأهم الإخبار بقيامه، فلو قيل:"زيد قائم"لحصل التردد للسامع ما لم يسمع لفظ قائم فيما يخبر به عن زيد، هل هو جالس أو قاعد أو غير ذلك، وكان المتكلم بالخيار فيما يخبر به من ذلك، ويعدل إليه كما تقدم في"ضربت زيدا"ومن هذا قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ} ففي تقديم الخبر: وهو مانعتهم إخبار بأمرين مهميْن:

[الإكسير في علم التفسير: 191]

أحدهما: كمال قدرة الله تعالى على خلقه، بحيث لا عاصم من أمره إلاّ من رحم؛ لأن هؤلاء اعتقدوا حصانة حصونهم، ووثقوا بمنعها إياهم، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا فلم يعتصموا.

الثاني: جهلهم، وقلة عقولهم؛ حيث لم يحتاطوا لأنفسهم، ويتحصنوا بطاعة الله ورسوله، التي هي أمنع الحصون، ولو قدم المبتدأ، لما أفاد الكلام هذا المعنى، أو أفاده إفادة ضعيفة.

ومنها تقديم الحال والاستثناء، نحو: جاء راكبا زيد، وراكبا جاء زيد، وما جاءني إلاّ زيدًا أحد، وهو كضرب من الاختصاص، إذ لو أخر، يحصل التردد والاختيار المذكوران بين جاء زيد راكبا، أو ماشيا، أو ضاحكا، وغيره من الأحوال، وما جاءني أحد إلاّ زيد، أو عمرو، أو بشر، وقياس ما ذكرنا: أن تقديم الحال على الفعل، وما قام مقامه حيث يجوز، أبلغ أنواع التقديم في باب الحال.

ومنها تقديم الجار والمجرور، وله صورتان:

إحداهما: أن يكون في كلام مثبت، وفائدته اختصاص لمجرور دون غيره بإسناد ما بعده من معنى الكلام إليه، كقوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} دل على اختصاص ضرر الكفر بمن كفر، لا بغيره، ولو قال:"فكفره عليه"؛ لاحتمل قبل ذكر الجار والمجرور التردد المذكور. وكقوله تعالى: {لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أفاد اختصاصه بالملك والحمد مبادهة، بخلاف الملك والحمد له، وأفاد أنه قادر على كل مقدور، بخلافه"وهو قدير على كل شيء"إذ يحتمل قبل ذكر لفظ العموم أنه قدير على بعض الأشياء فقط. وكقوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} إذ يحتمل التردد المذكور قبل ذكر المجرور.

[الإكسير في علم التفسير: 192]

الصورة الثانية: أن يكون في كلام منفي، فيجوز تأخيره، نحو:"لا ريب فيه"وتقديمه نحو: {لا فِيهَا غَوْلٌ} .

قال ابن الأثير: والفرق بينهما: أن تأخيره يفيد نفيا مطلقا من غير تفضيل كما اقتضى نفي الريب والشك عن الكتاب في صورته، وتقديمه يفيد: تفضيل الشيء عنه على غيره، كتفضيل خمر الآخرة على خمر الدنيا في صورتها، ومثله قولنا:"لا عيب في الدار، ولا فيها عيب"فالأول يقتضي نفي العيب عنها، وخلوصها منه، والثاني يقتضي تفضيلها على غيرها من الدور، وأن ليس فيها ما في غيرها من العيوب، هذا حاصل كلامه.

وعندي في هذا الفرق نظر: فإن اللفظ لا يدل عليه مطابقة، ولا تضمنا، ولا التزاما، وإنما بنى هو ذلك على مقدمة نقلية سمعها، وهي: أن خمر الآخرة ليس فيها من إفساد العقل ما في خمر الدنيا، فيجعلها فرقا هاهنا من غير ربط عقلي.

والذي عندي في هذا: أن الجملة المتضمنة للجار والمجرور مشتملة على مستقر واستقرار، فحيث تأخر الجار والمجرور أفاد نفي المستقر المظروف كقوله تعالى: {لا ريب فيه} فإن الريب هو المستقر في الكتاب على زعم الكفار، فأولاه حرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت