فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 150

النفي فنفاه، وحيث تقدم أفاد: نفي الاستقرار، كقوله: {لا فيها غول} فإن"فيها"متعلقا بمعنى الاستقرار، كما عرف في النفي، فأولاه حرف السلب فنفاه، فالأول سلب القار، والثاني سلب الاستقرار.

فإن قلت: القارّ والاستقرار متلازمان فسلب أحدهما يستلزم سلب الآخر.

قلت: نعم، لكن والكلام في جهة السلب بالقصد لا بالعرض، فتأمل هذا. والخلاف في مثل هذه العبارات راجع إلى اختلاف يرجع إلى المتخاطبين في عبارة أو

[الإكسير في علم التفسير: 193]

قصد، فكأن الكفار حين جاءهم القرآن، قالوا: إنه ليعترينا ريب فيه، فقال:"لا ريب فيه"سلبا مطابقا لإيجابهم في تقديم الريب وكأن الناس لما سمعوا {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} ، قالوا: إن الله تعالى يعدنا في الآخرة بخمر، أفترى فيها غول، كخمر الدنيا؟ فأجابهم طبق كلامهم في تأخير القول، فقال: {لا فيها غول} .

ويجوز أن توجه الفرق على ما ذكره، حيث قالوا: ينبغي تطابق السؤال والجواب،"ولا ريب فيه"، تقديره: لا من ريب فيه، جوابا، كقول قائل:"هل من ريب فيه؟"فحذفت من، وركبت لا مع المجرور، فنفى الجواب مطابقا للسؤال في تقديم الريب، وهذا أحسن من الأول.

ووجه التطابق في"لا فيها غول"ما سبق، فهذا الذي قبّح الله به في هذا الفرق، وللناظر فيه الخيار بحسب قوته ومادته، والله أعلم.

ومنها التقديم والتأخير في النفي.

وضابطه أن المنفي ما ولي حرف النفي.

فإذا قلت:"ما ضربت زيدا"كنت نافيا للفعل الذي هو ضربك إياه.

وإذا قلت:"ما أنا ضربته"كنت نافيا لفاعليتك الضرب.

فإن قلت: الصورتان دلّتا على نفي الضرب عنه، فما الفرق؟

قلت: الفرق من وجهين:

أحدهما: أن الأولى تضمنت نفي ضرب خاص عنه، وهو ضربك إياه، ولم يدل على وقوع ضرب غيرك ولا عدمه، إذ نفي الأخص لا يدل على نفي الأعم ولا ثبوته.

والثانية: نفت كونك ضربته، ودلت على أن غيرك ضربه من جهة دليل الخطاب.

الثاني: أن الصورة الأولى دلت على نفي ضربك له بغير واسطة، والثانية دلت على نفيه بواسطة نفي فاعليتك.

[الإكسير في علم التفسير: 194]

والكلام في المستقبل كالماضي نحو:"ما أضرب زيدا، أو ما أنا أضرب زيدا، وما أنا ضارب زيدا"وأما إذا كان الكلام عاما، فإن تقدم حرف النفي أداة العموم سمي: سلب العموم، وإن تأخر عنها، سمي: عموم السلب. مثال الأول"ما كل كذا فعلته"فقد سلبت عموم فعلك لكذا، وهذا لا يناقضه إثبات الخاص نحو:"بل فعلت بعضه".

ومثال الثاني: كل كذا ما فعلته"فقد عممت سلب فعلك له، فيناقضه إثبات الخاص، نحو: بل فعلت بعضه، وهو تناقض، كقولك"كل العلم لم أعلم منه شيئا"أو لم أعلمه، بل علمت بعضه، وقول أبي النجم:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت